التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
ولئلا تقولوا -أيها المشركون-: لو أنّا أُنزل علينا كتاب من السماء، كما أُنزل على اليهود والنصارى، لكنّا أشدَّ استقامة على طريق الحق منهم، فقد جاءكم كتاب بلسانكم عربي مبين، وذلك حجة واضحة مِن ربكم وإرشاد إلى طريق الحق، ورحمةٌ لهذه الأمة. فلا أحد أشد ظلمًا وعدوانًا ممن كذَّب بحجج الله تعالى وأعرض عنها!! فهؤلاء المعرضون سنعاقبهم عقابًا شديدًا في نار جهنم؛ بسبب إعراضهم عن آياتنا، وصدِّهم عن سبيلنا.
أي: إما أن تعتذروا بعدم وصول أصل الهداية إليكم وإما أن تعتذروا, بعدم كمالها وتمامها, فحصل لكم بكتابكم, أصل الهداية وكمالها.
ولهذا قال: " فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ " وهذا اسم جنس, يدخل فيه كل ما يبين الحق.
" وَهُدًى " من الضلالة " وَرَحْمَةٌ " أي: سعادة لكم في دينكم ودنياكم.
فهذا يوجب لكم الانقياد لأحكامه, والإيمان بأخباره, وأن من لم يرفع به رأسا, وكذب به, فإنه أظلم الظالمين, ولهذا قال: " فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا " أي: أعرض ونأى بجانبه.
" سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ " الذي يسوء صاحبه, ويشق عليه.
وفي هذه الآيات, دليل على أن علم القرآن, أجل العلوم وأبركها, وأوسعها, وأنه به, تحصل الهداية إلى الصراط المستقيم, هداية تامة, لا يحتاج معها إلى تخرص المتكلفين, ولا إلى أفكار المتفلسفين, ولا لغير ذلك, من علوم الأولين والآخرين.
وأن المعروف, أنه لم ينزل جنس الكتاب, إلا على الطائفتين, من اليهود والنصارى.
فهم أهل الكتاب عند الإطلاق, لا يدخل فيهم سائر الطوائف.
لا المجوس, ولا غيرهم.
وفيه: ما كان عليه الجاهلية, قبل نزول القرآن, من الجهل العظيم, وعدم العلم بما عند أهل الكتاب, الذين عندهم, مادة العلم, وغفلتهم عن دراسة كتبهم.
هذه الآية رقم 157 في سورة الأنعام التي عدد آياتها 165، وهي سورة مكية ترتيبها 6 في المصحف، وتبدأ في الصفحة 128 من مصحف المدينة النبوية.