التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
يا أيها الناس ضُرِب مثل فاستمعوا له وتدبروه: إن الأصنام والأنداد التي تعبدونها من دون الله لن تقدر مجتمعة على خَلْق ذبابة واحدة، فكيف بخلق ما هو أكبر؟ ولا تقدر أن تستخلص ما يسلبه الذباب منها، فهل بعد ذلك مِن عَجْز؟ فهما ضعيفان معاً: ضَعُفَ الطالب الذي هو المعبود من دون الله أن يستنقذ ما أخذه الذباب منه، وضَعُفَ المطلوب الذي هو الذباب، فكيف تُتَّخذ هذه الأصنام والأنداد آلهة، وهي بهذا الهوان؟
معاني كلمات الآية
فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥٓ
أي: سَماعَ تَدَبُّرٍ.
تَدۡعُونَ
تَعْبُدُونَ.
ذُبَابٗا
ذُبابةً واحِدةً مَعَ صِغَرِها.
وَإِن يَسۡلُبۡهُمُ
أي: وإن يَأْخُذِ الذُّبابُ شيئاً مِنْ هَذهِ المعْبُودَاتِ.
لَا يَسۡتَنقِذُوهُ مِنۡهُ
أي: لا يَقْدِرُوا -لِعَجْزِهِم- على اسْتِرْدادِ ما أُخِذَ مِنْهم.
ٱلطَّالِبُ
هو المَعبُودُ مِن دُونِ اللهِ.
ٱلۡمَطۡلُوبُ
هو الذُّبَابُ.
الميسر في غريب القرآن — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
هذا مثل ضربه الله لقبح عبادة الأوثان، وبيان نقصان عقول من عبدها، وضعف الجميع، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ هذا خطاب للمؤمنين والكفار، المؤمنون يزدادون علما وبصيرة، والكافرون تقوم عليهم الحجة، ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ أي: ألقوا إليه أسماعكم، وتفهموا ما احتوى عليه، ولا يصادف منكم قلوبا لاهية، وأسماعا معرضة، بل ألقوا إليه القلوب والأسماع، وهو هذا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ شمل كل ما يدعى من دون الله، ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ الذي هو من أحقر المخلوقات وأخسها، فليس في قدرتهم خلق هذا المخلوق الضعيف، فما فوقه من باب أولى، ﴿وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ بل أبلغ من ذلك لو ﴿يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ وهذا غاية ما يصير من العجز. ضَعُفَ الطَّالِبُ الذي هو المعبود من دون الله وَالْمَطْلُوبُ الذي هو الذباب، فكل منهما ضعيف، وأضعف منهما، من يتعلق بهذا الضعيف، وينزله منزلة رب العالمين.
هذه الآية رقم 73 في سورة الحج التي عدد آياتها 78، وهي سورة مدنية ترتيبها 22 في المصحف، وتبدأ في الصفحة 332 من مصحف المدينة النبوية.