التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
والذين كفروا بربهم وكذَّبوا رسله، أعمالهم التي ظنوها نافعة لهم في الآخرة، كصلة الأرحام وفك الأسرى وغيرها، كسراب، وهو ما يشاهَد كالماء على الأرض المستوية في الظهيرة، يظنه العطشان ماء، فإذا أتاه لم يجده ماء. فالكافر يظن أن أعماله تنفعه، فإذا كان يوم القيامة لم يجد لها ثوابًا، ووجد الله سبحانه وتعالى له بالمرصاد فوفّاه جزاء عمله كاملًا. والله سريع الحساب، فلا يستبطئ الجاهلون ذلك الوعيد، فإنه لا بدَّ مِن إتيانه.
هذان مثلان, ضربهما الله لأعمال الكفار; في بطلانها وذهابها سدى; وتحسر عامليها منها فقال: " وَالَّذِينَ كَفَرُوا " بربهم وكذبوا رسله " أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ " أي: بقاع; لا شجر فيه ولا نبات.
" يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً " شديد العطش, الذي يتوهم, ما لا يتوهم غيره, بسبب ما معه من العطش, وهذا حسبان باطل, فيقصده ليزيل ظمأه.
" حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا " فندم ندما شديدا, وازداد ما به من الظمأ, بسبب انقطاع رجائه.
كذلك أعمال الكفار, بمنزلة السراب, ترى ويظنها الجاهل الذي لا يدري الأمور, أعمالا نافعة, فتغره صورتها, ويخلبه خيالها, ويحسبها هو أيضا أعمالا نافعة لهواه, وهو أيضا محتاج إليها, كاحتياج الظمآن للماء.
حتى إذ قدم على أعماله, يوم الجزاء, وجدها ضائعة, ولم يجدها شيئا.
والحال إنه لم يذهب, لا له ولا عليه.
بل وجد " اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ " .
لم يخف عليه من عمله, نقير ولا قطمير ولن يعدم منه قليلا ولا كثيرا.
" وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ " فلا يستبطئ الجاهلون ذلك الوعد, فإنه لا بد من إتيانه.
ومثلها الله بالسراب, الذي بقيعة, أي: لا شجر فيه ولا نبات, وهذا مثال لقلوبهم, لا خير فيها ولا بر, فتزكو فيها الأعمال وذلك للسبب المانع, وهو الكفر.
هذه الآية رقم 39 في سورة النور التي عدد آياتها 64، وهي سورة مدنية ترتيبها 24 في المصحف، وتبدأ في الصفحة 350 من مصحف المدينة النبوية.