التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أفمَن كان على حجة وبصيرة من ربه فيما يؤمن به، ويدعو إليه بالوحي الذي أنزل الله فيه هذه البينة، ويتلوها برهان آخرُ يشهد على كونه من عند الله، وهو جبريل أو محمد عليهما السلام، ويؤيد ذلك برهان ثالث من قَبْل القرآن، وهو التوراة -الكتاب الذي أُنزل على موسى إمامًا ورحمة لمن آمن به-، كمن كان همه الحياة الفانية بزينتها؟ أولئك يصدِّقون بهذا القرآن ويعملون بأحكامه، ومن يكفر بهذا القرآن من الذين تحزَّبوا على رسول الله ﷺ فجزاؤه النار، يَرِدُها لا محالة، فلا تك -أيها الرسول- في شك من أمر القرآن وكونِه من عند الله تعالى، بعد ما شهدت بذلك الأدلة والحجج، واعلم أن هذا الدين هو الحق من ربك، ولكن أكثر الناس لا يصدِّقون ولا يعملون بما أُمروا به. وهذا توجيه عام لأمة محمد ﷺ.
يذكر تعالى, حال رسوله محمد صلى الله عليه وسلم, ومن قام مقامه, من ورثته القائمين بدينه, وحججه الموقنين بذلك, وأنهم لا يوصف بهم غيرهم ولا يكون أحد مثلهم فقال: " أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ " بالوحي الذي أنزل الله فيه المسائل المهمة, ودلائلها الظاهرة, فتيقن تلك البينة.
" وَيَتْلُوهُ " أي: يتلو هذه البينة والبرهان, برهان آخر " شَاهِدٌ مِنْهُ " وهو شاهد الفطرة المستقيمة, والعقل الصحيح حين شهد حقيقة, ما أوحاه الله وشرعه, وعلم بعقله حسنه, فازداد بذلك, إيمانا إلى إيمانه.
ثم شاهد ثالث " وَمِنْ قَبْلِهِ " وهو " كِتَابُ مُوسَى " التوراة, التي جعلها الله " إِمَامًا " للناس " وَرَحْمَةٌ " لهم, يشهد لهذا القرآن بالصدق, ويوافقه فيما جاء به من الحق.
أي: أفمن كان بهذا الوصف, قد تواردت عليه شواهد الإيمان, وقامت لديه, أدلة اليقين, كمن هو في الظلمات والجهالات, ليس بخارج منها؟!.
لا يستوون عند الله, ولا عند عباد الله.
" أُولَئِكَ " أي: الذين وفقوا لقيام الأدلة عندهم.
" يُؤْمِنُونَ بِهِ " أي: بالقرآن خقيقة, فيثمر لهم إيمانهم, كل خير في الدنيا والآخرة.
" وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ " أي: سائر طوائف أهل الأرض, لمتحزبة على رد الحق.
" فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ " لا بد, من وروده إليها " فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ " .