حول العالمالقرآن الكريمالرئيسية
القرآن الكريم

تفسير القرطبي للآية 14 من سورة المؤمنون: ﴿ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة…﴾

الآية ١٤ من سورة المؤمنون في صفحة واحدة

في موقع حول العالم صفحة خاصة لهذه الآية تجمع نصها بالرسم العثماني، والتفسير الميسّر وتفسير السعدي والجلالين، والترجمة، ومواضيع الآية والمقالات المرتبطة بها، مع الاستماع والتكرار للحفظ.

ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةًۭ فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةًۭ فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَٰمًۭا فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَٰمَ لَحْمًۭا ثُمَّ أَنشَأْنَٰهُ خَلْقًا ءَاخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَٰلِقِينَ ﴿١٤﴾

سورة المؤمنون تفسير القرطبي

" ثُمَّ مِنْ عَلَقَة " وَهُوَ الدَّم الْجَامِد. وَالْعَلَق الدَّم الْعَبِيط ; أَيْ الطَّرِيّ . وَقِيلَ : الشَّدِيد الْحُمْرَة. " ثُمَّ مِنْ مُضْغَة " وَهِيَ لَحْمَة قَلِيلَة قَدْر مَا يُمْضَغ ; وَمِنْهُ الْحَدِيث ( أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَد مُضْغَة ) . وَهَذِهِ الْأَطْوَار أَرْبَعَة أَشْهُر . قَالَ اِبْن عَبَّاس : ( وَفِي الْعَشْر بَعْد الْأَشْهُر الْأَرْبَعَة يُنْفَخ فِيهِ الرُّوح ) , فَذَلِكَ عِدَّة الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجهَا ; أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْر .



رَوَى يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا بْن أَبِي زَائِدَة حَدَّثَنَا دَاوُد عَنْ عَامِر عَنْ عَلْقَمَة عَنْ اِبْن مَسْعُود وَعَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ النُّطْفَة إِذَا اِسْتَقَرَّتْ فِي الرَّحِم أَخَذَهَا مَلَك بِكَفِّهِ فَقَالَ : " يَا رَبّ , ذَكَر أَمْ أُنْثَى , شَقِيَ أَمْ سَعِيد , مَا الْأَجَل وَالْأَثَر , بِأَيِّ أَرْض تَمُوت ؟ فَيُقَال لَهُ اِنْطَلِقْ إِلَى أُمّ الْكِتَاب فَإِنَّك تَجِد فِيهَا قِصَّة هَذِهِ النُّطْفَة , فَيَنْطَلِق فَيَجِد قِصَّتهَا فِي أُمّ الْكِتَاب , فَتُخْلَق فَتَأْكُل رِزْقهَا وَتَطَأ أَثَرهَا فَإِذَا جَاءَ أَجَلهَا قُبِضَتْ فَدُفِنَتْ فِي الْمَكَان الَّذِي قُدِّرَ لَهَا ; ثُمَّ قَرَأَ عَامِر " يَأَيُّهَا النَّاس إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِنْ الْبَعْث فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَاب " . وَفِي الصَّحِيح عَنْ أَنَس بْن مَالِك - وَرَفَعَ الْحَدِيث - قَالَ : ( إِنَّ اللَّه قَدْ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا فَيَقُول أَيْ رَبّ نُطْفَة . أَيْ رَبّ عَلَقَة . أَيْ رَبّ مُضْغَة . فَإِذَا أَرَادَ اللَّه أَنْ يَقْضِي خَلْقًا قَالَ قَالَ الْمَلَك أَيْ رَبّ ذَكَر أَوْ أُنْثَى شَقِيّ أَوْ سَعِيد . فَمَا الرِّزْق فَمَا الْأَجَل . فَيُكْتَب كَذَلِكَ فِي بَطْن أُمّه ) . وَفِي الصَّحِيح أَيْضًا عَنْ حُذَيْفَة بْن أَسِيد الْغِفَارِيّ قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَة بَعَثَ اللَّه إِلَيْهَا مَلَكًا فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعهَا وَبَصَرهَا وَجِلْدهَا وَلَحْمهَا وَعِظَامهَا ثُمَّ يَقُول أَيْ رَبّ أَذَكَر أَمْ أُنْثَى ... ) وَذَكَرَ الْحَدِيث. وَفِي الصَّحِيح عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ : حَدَّثَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِق الْمَصْدُوق ( إِنَّ أَحَدكُمْ يُجْمَع خَلْقه فِي بَطْن أُمّه أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُون فِي ذَلِكَ عَلَقَة مِثْل ذَلِكَ ثُمَّ يَكُون مُضْغَة مِثْل ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَل الْمَلَك فَيَنْفُخ فِيهِ الرُّوح وَيُؤْمَر بِأَرْبَعِ كَلِمَات بِكَتْبِ رِزْقه وَأَجَله وَعَمَله وَشَقِيّ أَوْ سَعِيد... ) الْحَدِيث . فَهَذَا الْحَدِيث مُفَسِّر لِلْأَحَادِيثِ الْأَوَّل ; فَإِنَّهُ فِيهِ : ( يُجْمَع أَحَدكُمْ فِي بَطْن أُمّه أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَة ثُمَّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا عَلَقَة ثُمَّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا مُضْغَة ثُمَّ يُبْعَث الْمَلَك فَيَنْفُخ فِيهِ الرُّوح ) فَهَذِهِ أَرْبَعَة أَشْهُر وَفِي الْعَشْر يَنْفُخ الْمَلَك الرُّوح , وَهَذِهِ عِدَّة الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجهَا كَمَا قَالَ اِبْن عَبَّاس . وَقَوْله : ( إِنَّ أَحَدكُمْ يُجْمَع خَلْقه فِي بَطْن أُمّه ) قَدْ فَسَّرَهُ اِبْن مَسْعُود , سُئِلَ الْأَعْمَش : مَا يُجْمَع فِي بَطْن أُمّه ؟ فَقَالَ : حَدَّثَنَا خَيْثَمَة قَالَ قَالَ عَبْد اللَّه : إِذَا وَقَعَتْ النُّطْفَة فِي الرَّحِم فَأَرَادَ أَنْ يَخْلُق مِنْهَا بَشَرًا طَارَتْ فِي بَشَرَة الْمَرْأَة تَحْت كُلّ ظُفُر وَشَعْر ثُمَّ تَمْكُث أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ تَصِير دَمًا فِي الرَّحِم ; فَذَلِكَ جَمْعهَا , وَهَذَا وَقْت كَوْنهَا عَلَقَة .



نِسْبَة الْخَلْق وَالتَّصْوِير لِلْمَلَكِ نِسْبَة مَجَازِيَّة لَا حَقِيقِيَّة , وَأَنَّ مَا صَدَرَ عَنْهُ فِعْل مَا فِي الْمُضْغَة كَانَ عِنْد التَّصْوِير وَالتَّشْكِيل بِقُدْرَةِ اللَّه وَخَلْقه وَاخْتِرَاعه ; أَلَا تَرَاهُ سُبْحَانه قَدْ أَضَافَ إِلَيْهِ الْخِلْقَة الْحَقِيقِيَّة , وَقَطَعَ عَنْهَا نَسَب جَمِيع الْخَلِيقَة فَقَالَ : " وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ " [ الْأَعْرَاف : 11 ]. وَقَالَ : " وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان مِنْ سُلَالَة مِنْ طِين . ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَة فِي قَرَار مَكِين " [ الْمُؤْمِنُونَ : 12 - 13 ] . وَقَالَ : " يَأَيُّهَا النَّاس إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِنْ الْبَعْث فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة " . وَقَالَ تَعَالَى : " هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِر وَمِنْكُمْ مُؤْمِن " [ التَّغَابُن : 2 ] . ثُمَّ قَالَ : " وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَركُمْ " [ غَافِر : 64 ] . وَقَالَ : " لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان فِي أَحْسَن تَقْوِيم " [ التِّين : 4 ] . وَقَالَ : " خَلَقَ الْإِنْسَان مِنْ عَلَق " [ الْعَلَق : 2 ] . إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْآيَات , مَعَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ قَاطِعَات الْبَرَاهِين أَنْ لَا خَالِق لِشَيْءٍ مِنْ الْمَخْلُوقَات إِلَّا رَبّ الْعَالَمِينَ . وَهَكَذَا الْقَوْل فِي قَوْل : " ثُمَّ يُرْسَل الْمَلَك فَيَنْفُخ فِيهِ الرُّوح " أَيْ أَنَّ النَّفْخ سَبَب خَلْق اللَّه فِيهَا الرُّوح وَالْحَيَاة. وَكَذَلِكَ الْقَوْل فِي سَائِر الْأَسْبَاب الْمُعْتَادَة ; فَإِنَّهُ بِإِحْدَاثِ اللَّه تَعَالَى لَا بِغَيْرِهِ . فَتَأَمَّلْ هَذَا الْأَصْل وَتَمَسَّكْ بِهِ , فَفِيهِ النَّجَاة مِنْ مَذَاهِب أَهْل الضَّلَال الطَّبْعِيِّينَ وَغَيْرهمْ .







اِخْتَلَفَ النَّاس فِي الْخَلْق الْآخَر ; فَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَالشَّعْبِيّ وَأَبُو الْعَالِيَة وَالضَّحَّاك وَابْن زَيْد : هُوَ نَفْخ الرُّوح فِيهِ بَعْد أَنْ كَانَ جَمَادًا . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس : خُرُوج إِلَى الدُّنْيَا . وَقَالَ قَتَادَة عَنْ فِرْقَة : نَبَات شَعْره . الضَّحَّاك : خُرُوج الْأَسْنَان وَنَبَات الشَّعْر. مُجَاهِد : كَمَال شَبَابه ; وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر : وَالصَّحِيح أَنَّهُ عَامّ فِي هَذَا وَفِي غَيْره مِنْ النُّطْق وَالْإِدْرَاك وَحُسْن الْمُحَاوَلَة وَتَحْصِيل الْمَعْقُولَات إِلَى أَنْ يَمُوت .





يُرْوَى أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب لَمَّا سَمِعَ صَدْر الْآيَة إِلَى قَوْله " خَلْقًا آخَر " قَالَ فَتَبَارَكَ اللَّه أَحْسَن الْخَالِقِينَ ; فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هَكَذَا أُنْزِلَتْ ) . وَفِي مُسْنَد الطَّيَالِسِيّ : وَنَزَلَتْ " وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان مِنْ سُلَالَة مِنْ طِين " الْآيَة ; فَلَمَّا نَزَلَتْ قُلْت أَنَا : تَبَارَكَ اللَّه أَحْسَن الْخَالِقِينَ ; فَنَزَلَتْ " تَبَارَكَ اللَّه أَحْسَن الْخَالِقِينَ " . وَيُرْوَى أَنَّ قَائِل ذَلِكَ مُعَاذ اِبْن جَبَل . وَرُوِيَ أَنَّ قَائِل ذَلِكَ عَبْد اللَّه بْن أَبِي سَرْح , وَبِهَذَا السَّبَب اِرْتَدَّ وَقَالَ : آتِي بِمِثْلِ مَا يَأْتِي مُحَمَّد ; وَفِيهِ نَزَلَ " وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْل مَا أَنْزَلَ اللَّه " [ الْأَنْعَام : 93 ] عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي " الْأَنْعَام " . وَقَوْله تَعَالَى : " فَتَبَارَكَ " تَفَاعَلَ مِنْ الْبَرَكَة . " أَحْسَن الْخَالِقِينَ " أَتْقَن الصَّانِعِينَ. يُقَال لِمَنْ صَنَعَ شَيْئًا خَلَقَهُ ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْت وَبَعْ ضُ الْقَوْم يَخْلُق ثُمَّ لَا يَفْرِي وَذَهَبَ بَعْض النَّاس إِلَى نَفْي هَذِهِ اللَّفْظَة عَنْ النَّاس وَإِنَّمَا يُضَاف الْخَلْق إِلَى اللَّه تَعَالَى . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج : إِنَّمَا قَالَ " أَحْسَن الْخَالِقِينَ " لِأَنَّهُ تَعَالَى قَدْ أَذِنَ لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام أَنْ يَخْلُق ; وَاضْطَرَبَ بَعْضهمْ فِي ذَلِكَ . وَلَا تُنْفَى اللَّفْظَة عَنْ الْبَشَر فِي مَعْنَى الصُّنْع ; وَإِنَّمَا هِيَ مَنْفِيَّة بِمَعْنَى الِاخْتِرَاع وَالْإِيجَاد مِنْ الْعَدَم . مَسْأَلَة : مِنْ هَذِهِ الْآيَة قَالَ اِبْن عَبَّاس لِعُمَرَ حِين سَأَلَ مَشْيَخَة الصَّحَابَة عَنْ لَيْلَة الْقَدْر فَقَالُوا : اللَّه أَعْلَم ; فَقَالَ عُمَر : مَا تَقُول يَا اِبْن عَبَّاس ؟ فَقَالَ : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّه تَعَالَى خَلَقَ السَّمَوَات سَبْعًا وَالْأَرَضِينَ سَبْعًا , وَخَلَقَ اِبْن آدَم مِنْ سَبْع وَجَعَلَ رِزْقه فِي سَبْع , فَأَرَاهَا فِي لَيْلَة سَبْع وَعِشْرِينَ . فَقَالَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : أَعْجَزَكُمْ أَنْ تَأْتُوا بِمِثْلِ مَا أَتَى هَذَا الْغُلَام الَّذِي لَمْ تَجْتَمِع شُؤُون رَأْسه . وَهَذَا الْحَدِيث بِطُولِهِ فِي مُسْنَد اِبْن أَبِي شَيْبَة . فَأَرَادَ اِبْن عَبَّاس " خُلِقَ اِبْن آدَم مِنْ سَبْع " بِهَذِهِ الْآيَة , وَبِقَوْلِهِ " وَجُعِلَ رِزْقه فِي سَبْع " قَوْله " فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا . وَعِنَبًا وَقَضْبًا . وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا . وَحَدَائِق غُلْبًا . وَفَاكِهَة وَأَبًّا " [ عَبَسَ : 27 - 31 ] الْآيَة . السَّبْع مِنْهَا لِابْنِ آدَم , وَالْأَب لِلْأَنْعَامِ . وَالْقَضْب يَأْكُلهُ اِبْن آدَم وَيَسْمَن مِنْهُ النِّسَاء ; هَذَا قَوْل . وَقِيلَ : الْقَضْب الْبُقُول لِأَنَّهَا تُقْضَب ; فَهِيَ رِزْق اِبْن آدَم . وَقِيلَ : الْقَضْب وَالْأَب لِلْأَنْعَامِ , وَالسِّتّ الْبَاقِيَة لِابْنِ آدَم , وَالسَّابِعَة هِيَ لِلْأَنْعَامِ ; إِذْ هِيَ مِنْ أَعْظَم رِزْق اِبْن آدَم .

هذه الآية رقم 14 في سورة المؤمنون التي عدد آياتها 118، وهي سورة مكية ترتيبها 23 في المصحف، وتبدأ في الصفحة 342 من مصحف المدينة النبوية.

اقرأ تفسير الآية نفسها في: تفسير ابن كثير · تفسير الجلالين · تفسير الطبري · تفسير السعدي