***
خلق الله الإنسان وجعل له في هذه الحياة محطات وثوابت، ومن أعظم هذه الثوابت بعد توحيد العبادة لله جلّ وعلا، الإحسان إلى الوالدين والاعتراف بفضلهما. فمنهما كانت البداية، وبفضلهما -بعد الله- نشأ الإنسان ودرج في الحياة، ولأجل ذلك جاءت الشريعة الإسلامية بتعظيم حقهما ورفعة شأنهما.
---
### أولاً:
مكانة بر الوالدين في القرآن الكريم
قرن الله سبحانه وتعالى عبادته وتوحيده بالإحسان إلى الوالدين في مواضع متعددة من القرآن، مما يدل على أن برهما ليس مجرد خيار خلقي بل فريضة إيمانية مركزية.
* **
الاقتران بالتوحيد:
** قال تعالى:
> ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ۞ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 23-24].
* **الوصية بالإحسان والشكر:** قال تعالى:
> ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: 14].
---
### ثانياً: بر الوالدين في السنة النبوية الشريفة
جاءت أحاديث النبي ﷺ لتؤكد أن بر الوالدين من أحب الأعمال إلى الله، بل إنه يُقدَّم في كثير من الأحيان على أعمال جليلة أخرى.
* **من أحب الأعمال إلى الله:** عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:
> «سَأَلْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ؟ قَالَ: **الصَّلَاةُ علَى وقْتِهَا**، قَالَ: ثُمَّ أيٌّ؟ قَالَ: **ثُمَّ برُّ الوَالِدَيْنِ**، قَالَ: ثُمَّ أيٌّ؟ قَالَ: **الجِهَادُ في سَبِيلِ اللَّهِ**» [رواه البخاري ومسلم].
* **عظم حق الأم:** جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال:
> «يا رَسولَ اللَّهِ، مَن أَحَقُّ النَّاسِ بحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: **أُمُّكَ**، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: **ثُمَّ أُمُّكَ**، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: **ثُمَّ أُمُّكَ**، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: **ثُمَّ أبُوكَ**» [رواه البخاري ومسلم].
* **طريقٌ إلى الجنة:** قال النبي ﷺ:
> «رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، قيلَ: مَنْ يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: **مَن أَدْرَكَ والِدَيْهِ عِنْدَ الكِبَرِ، أَحَدَهُما، أَوْ كِلَيْهِما، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ**» [رواه مسلم].
---
### ثالثاً: صور البر في الحياة اليومية
يتجاوز البر الكلمات اللطيفة ليشمل سلوكيات عملية تحيط الوالدين بالرعاية والاهتمام:
* **البر المادي والمعنوي:** إنفاق المال عليهما عند الحاجة، والاهتمام بصحتهما ورعايتهما كباراً.
* **حسن الأدب في الخطاب:** تجنب الانزعاج أو التضجر (كالقول "أُفّ")، واختيار ألين الكلمات وأطيبها.
* **الطاعة والتقدير:** الاستجابة لأوامرهما ما لم تكن في معصية الله، واستشارتهما والدعاء لهما بالرحمة والمغفرة.
* **
البر بعد وفاتهما:** بالدعاء والاستغفار لهما، وإيفاء عهودهما، وإكرام أصدقائهما وصلة الأرحام التي لا تُوصل إلا بهما.
---
إن بر الوالدين ليس مجرد ردّ لجميل قدموه في الصغر، بل هو استثمار إيماني ونفسي يعود نقاؤه وبركته على العبد في الدنيا بسعة الرزق وطول العمر والتوفيق، وفي الآخرة برضوان الله والفوز بالجنة.