يطل علينا شهر رمضان المبارك كل عام كواحة خضراء في وسط صحراء الحياة المادية المتسارعة، يحمل معه نسائم الرحمة والغفران، ويفتح للقلوب أبوابًا جديدة للتقرب إلى الله تعالى. وإن الاستقبال الحقيقي لهذا الشهر العظيم لا يبدأ من إعداد الأطعمة والمشروبات، ولا من تنظيم الأوقات والديكورات فحسب، بل يبدأ أولًا وقبل كل شيء من أعماق القلب، ومن النية الصادقة التي تعزم على الاستفادة من هذه الفرصة السنوية المباركة.
تطهير القلب وتصفية النفوس
إن أول خطوات الاستعداد الروحي لشهر رمضان هي تخلية القلب من الشواغل والضغائن. فالقلب المحمل بالأحقاد وشحناء الخصومات يجد صعوبة في التلذذ بطعم الطاعة والسكينة. استقبل رمضان بقلب سليم، وسامح من أخطأ في حقك ابتغاء مرضاة الله، واجعل من هذا الشهر نقطة بداية جديدة لصفحة بيضاء مع نفسك ومع المحيطين بك. التوبة الصادقة وإظهار الإنابة إلى الله تعالى هما المفتاح الذي يفتح لك أبواب الفهم والخشوع في أيامه ولياليه.
كما يحتاج المرء في مستهل هذا الموسم الإيماني إلى تجديد النية وتحديد غايته بوضوح. سل نفسك: ماذا أريد من رمضان هذا العام؟ هل أريد أن تتغير علاقتي مع كتاب الله؟ هل أسعى إلى تهذيب أخلاقي وضبط لساني؟ فقد ورد في المعنى الشريف للحديث النبوي أن مدار الأعمال على النيات، وأن لكل امرئ ما نوى؛ ولذلك فإن صدق العزيمة قبل دخول الشهر يجعل العبد يكتب عند الله من الفائزين بإذنه، حتى قبل أن يبدأ العمل.
التهيئة التدريجية والاتصال بكتاب الله
تأتي التهيئة الإيمانية أيضًا عبر العودة التدريجية للقرآن الكريم والذكر. لا تنتظر ليلة الأول من رمضان لتبدأ بالتعامل مع المصحف، بل ابدأ من الآن بجعل دقائق يومية للتدبر والحديث الهادئ مع آيات الله. اجعل لسانك رطبًا بذكر الله، وعوّد جوارحك على الهدوء والسكينة، فالنفس كالطفل تحتاج إلى ترويض وتدريب تدريجي لتعتاد على التحليق في آفاق العبادة والروحانية دون مشقة أو نفور.
ختامًا، رمضان فرصة إلهية تتجدد، وهدية غالية من رب كريم يحب التوابين ويحب المتطهرين. لنستقبله بالشوق والمحبة، ولندعُ الله بصدق أن يبلغنا إياه، وأن يوفقنا فيه لمرضاته، وأن يجعلنا فيه من المقبولين. جعلنا الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وبلغنا رمضان ونحن في صحة وعافية وإيمان.
حول العالم