حين يرفع الإنسان رأسه نحو السماء في ليلة صافية، أو يتأمل امتداد الأرض وآفاقها الرحبة، يشعر بهيبة خفية تتسلل إلى قلبه. إن هذا الكون الشاسع، بدقة نظامه وجمال صنعه، ليس مجرد جغرافيا نعيش عليها، بل هو كتاب مفتوح يدعونا للإبحار في معانيه. والتفكر في خلق السماوات والأرض يعد من أرقى العبادات التي تغفل عنها القلوب وسط زحام الحياة اليومية ومشاغلها المتسارعة.
لقد أثنى الله تعالى في كتابه الكريم على أولئك الذين لا يمرون على آيات الكون مرور الكرام، بل تجول عقولهم وتتحرك قلوبهم بالخشية والمحبة. يقول الله عز وجل:
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِإن أصحاب العقول النيرة هم الذين يرون في كل نجم يضيء، وكل شمس تشرق، رسالة تذكرهم بعظمة الخالق وقدرته التي لا يحدها حد.
ثمار التفكر في حياة المسلم
التفكر ليس مجرد رياضة ذهنية، بل هو عبادة قلبيّة تثمر سكينة وطمأنينة. فعندما يعتاد العبد أن يتأمل في بديع صنع الله، يتضاءل في عينه كل هم دنيوي، ويدرك أن الإله الذي أتقن صنع هذا الكون العظيم قادر على تدبير أموره الصغيرة. كما أن التفكّر يجدد الإيمان في القلب، ويحوله من مجرد عادة إلى يقين راسخ ومحبة صادقة لله سبحانه وتعالى.
وقد ورد في المعنى الشريف عن الصالحين أن ساعة تفكر في آيات الله وخلقه قد تفوق في أثرها على القلب كثيراً من أعمال الجوارح التي تخلو من الحضور والتدبر؛ فالحركة البسيطة للقلب حين ينفعل بعظمة الله تسكب فيه نوراً يغير نظرته للحياة بأكملها، فيصبح أكثر تواضعاً مع الخلق، وأكثر قرباً من الخالق.
كيف نجعل التفكر عادة يومية؟
لا يحتاج التفكر إلى تفرغ تام أو اعتزال للناس، بل يبدأ بوقفة قصيرة مع النفس أثناء المشي، أو عند النظر من النافذة صباحاً، أو حتى أثناء تأمل قطرة ماء أو زهرة صغيرة. إن تنقية الحواس لدقائق معدودة من صخب الشاشات والأجهزة، وفتح العين والقلب لجمال الطبيعة وهدوء الليل، كفيل بأن يعيد للروح توازنها وربطها بالخالق جل وعلا.
فلنجعل لأنفسنا نصيباً يومياً من هذه العبادة الهادئة؛ لنقرأ كتاب الله المسطور، ونشاهد كتابه المنظور، ولنردد بلسان القانع وقلب الموقن: "ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك".
حول العالم