التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
ولقد حقق الله لكم ما وعدكم به من نصر، حين كنتم تقتلون الكفار في غزوة «أُحد» بإذنه تعالى، حتى إذا جَبُنتم وضعفتم عن القتال واختلفتم: هل تبقون في مواقعكم أو تتركونها لجمع الغنائم مع مَن يجمعها؟ وعصيتم أمر رسولكم حين أمركم ألا تفارقوا أماكنكم بأي حال، حلَّت بكم الهزيمة من بعد ما أراكم ما تحبون من النصر، وتبيَّن أن منكم مَن يريد الغنائم، وأن منكم مَن يطلب الآخرة وثوابها، ثم صرف الله وجوهكم عن عدوكم؛ ليختبركم، وقد علم الله ندمكم وتوبتكم فعفا عنكم، والله ذو فضل عظيم على المؤمنين.
معاني كلمات الآية
صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥٓ
حَقَّقَ ما وَعَدَكم مِنْ نَصْرٍ في أُحُدٍ قبلَ تَرْكِ الرُّماةِ مقاعِدَهم.
تَحُسُّونَهُم
تستأصِلُونهم بالقَتْلِ.
فَشِلۡتُمۡ
جَبُنتم. وجواب «إذا» مقدرٌ: امتُحِنْتُم.
وَتَنَٰزَعۡتُمۡ
اختلَفْتم: هل تَبْقَون في مَواقِعِكم، أو تتركونها للغَنائم؟
صَرَفَكُمۡ
رَدَّكم عنهم بالهزيمةِ.
لِيَبۡتَلِيَكُمۡ
ليَخْتَبِرَكم.
الميسر في غريب القرآن — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أي: ولقد صدقكم الله وعده بالنصر، فنصركم عليهم، حتى ولوكم أكتافهم، وطفقتم فيهم قتلا، حتى صرتم سببا لأنفسكم، وعونا لأعدائكم عليكم، فلما حصل منكم الفشل وهو الضعف والخور وتنازعتم في الأمر الذي فيه ترك أمر الله بالائتلاف وعدم الاختلاف، فاختلفتم، فمن قائل نقيم في مركزنا الذي جعلنا فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قائل: ما مقامنا فيه وقد انهزم العدو، ولم يبق محذور، فعصيتم الرسول، وتركتم أمره من بعد ما أراكم الله ما تحبون وهو انخذال أعدائكم؛ لأن الواجب على من أنعم الله عليه بما أحب، أعظم من غيره. فالواجب في هذه الحال خصوصًا، وفي غيرها عموما، امتثال أمر الله ورسوله. منكم من يريد الدنيا وهم الذين أوجب لهم ذلك ما أوجب، ومنكم من يريد الآخرة وهم الذين لزموا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبتوا حيث أمروا. ثم صرفكم عنهم أي: بعدما وجدت هذه الأمور منكم، صرف الله وجوهكم عنهم، فصار الوجه لعدوكم، ابتلاء من الله لكم وامتحانا، ليتبين المؤمن من الكافر، والطائع من العاصي، وليكفر الله عنكم بهذه المصيبة ما صدر منكم، فلهذا قال: ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين أي: ذو فضل عظيم عليهم، حيث منَّ عليهم بالإسلام، وهداهم لشرائعه، وعفا عنهم سيئاتهم، وأثابهم على مصيباتهم. ومن فضله على المؤمنين أنه لا يقدر عليهم خيرا ولا مصيبة، إلا كان خيرا لهم. إن أصابتهم سراء فشكروا جازاهم جزاء الشاكرين، وإن أصابتهم ضراء فصبروا، جازاهم جزاء الصابرين.
هذه الآية رقم 152 في سورة آل عمران التي عدد آياتها 200، وهي سورة مدنية ترتيبها 3 في المصحف، وتبدأ في الصفحة 50 من مصحف المدينة النبوية.