التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
وما عَظَّم هؤلاء المشركون الله حق تعظيمه؛ إذ أنكروا أن يكون الله تعالى قد أنزل على أحد من البشر شيئاً من وحيه. قل لهم -أيها الرسول-: إذا كان الأمر كما تزعمون، فمن الذي أنزل الكتاب الذي جاء به موسى إلى قومه نوراً للناس وهداية لهم؟ ثم توجه الخطاب إلى اليهود زَجْراً لهم بقوله: تجعلون هذا الكتاب في قراطيس متفرقة، تظهرون بعضها، وتكتمون كثيراً منها، ومما كتموه الإخبار عن صفة محمد -صلى الله عليه وسلم- ونبوته، وعَلَّمكم الله معشر العرب بالقرآنِ -الذي أنزله عليكم، فيه خبر مَن قبلكم ومَن بعدكم، وما يكون بعد موتكم- ما لم تعلموه أنتم ولا آباؤكم؟ قل: الله هو الذي أنزله، ثم دع هؤلاء في حديثهم الباطل يخوضون ويلعبون.
معاني كلمات الآية
وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦٓ
وما عَرَفَ هؤلاء المشركون رَبَّهم حَقَّ مَعْرفَتِه.
تَجۡعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ
تكتبون عنه دفاترَ وكتباً مُقَطَّعةً؛ فيَتِمُّ لكم ما تُريدونه من التحريفِ.
خَوۡضِهِمۡ
باطِلِهم.
الميسر في غريب القرآن — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
هذا تشنيع على من نفى الرسالة، [من اليهود والمشركين] وزعم أن الله ما أنزل على بشر من شيء، فمن قال هذا، فما قدر الله حق قدره، ولا عظمه حق عظمته، إذ هذا قدح في حكمته، وزعم أنه يترك عباده هملا، لا يأمرهم ولا ينهاهم، ونفي لأعظم منة، امتن الله بها على عباده، وهي الرسالة، التي لا طريق للعباد إلى نيل السعادة، والكرامة، والفلاح، إلا بها، فأي قدح في الله أعظم من هذا؟" قُلْ ْ لهم –ملزما بفساد قولهم، وقرِّرْهم، بما به يقرون-: مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى ْ وهو التوراة العظيمة نُورًا ْ في ظلمات الجهل وَهُدًى ْ من الضلالة، وهاديا إلى الصراط المستقيم علما وعملا، وهو الكتاب الذي شاع وذاع، وملأ ذكره القلوب والأسماع. حتى أنهم جعلوا يتناسخونه في القراطيس، ويتصرفون فيه بما شاءوا، فما وافق أهواءهم منه، أبدوه وأظهروه، وما خالف ذلك، أخفوه وكتموه، وذلك كثير. وَعُلِّمْتُمْ ْ من العلوم التي بسبب ذلك الكتاب الجليل مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ْ فإذا سألتهم عمن أنزل هذا الكتاب الموصوف بتلك الصفات، فأجب عن هذا السؤال. و قل الله ْ الذي أنزله، فحينئذ يتضح الحق وينجلي مثل الشمس، وتقوم عليهم الحجة، ثم إذا ألزمتهم بهذا الإلزام ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ْ أي: اتركهم يخوضوا في الباطل، ويلعبوا بما لا فائدة فيه، حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون.
هذه الآية رقم 91 في سورة الأنعام التي عدد آياتها 165، وهي سورة مكية ترتيبها 6 في المصحف، وتبدأ في الصفحة 128 من مصحف المدينة النبوية.