التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
ألم تر -أيها الرسول- إلى اليهود الذين نُهوا عن الحديث سرّاً بما يثير الشك في نفوس المؤمنين، ثم يرجعون إلى ما نُهوا عنه، ويتحدثون سرّاً بما هو إثم وعدوان ومخالفة لأمر الرسول؟ وإذا جاءك -أيها الرسول- هؤلاء اليهود لأمر من الأمور حيَّوك بغير التحية التي جعلها الله لك تحية، فقالوا: (السام عليك) أي: الموت لك، ويقولون فيما بينهم: هلَّا يعاقبنا الله بما نقول لمحمد إن كان رسولاً حقّاً، تكفيهم جهنم يدخلونها، ويقاسون حرها، فبئس المرجع هي.
معاني كلمات الآية
ٱلنَّجۡوَىٰ
حَدِيثِ السِّرِّ الَّذِي يُثيرُ الشَّكَّ في نُفُوسِ المؤمِنينَ.
وَيَتَنَٰجَوۡنَ
يَتَحَدَّثُونَ سِرّاً.
حَيَّوۡكَ
سَلَّمُوا عَلَيكَ.
حَسۡبُهُمۡ
كافِيهِم مِنَ العَذابِ.
يَصۡلَوۡنَهَا
يَدْخُلُونَها وَيُقاسُونَ حَرَّها.
فَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ
فَسَاءَ المنْقَلَبُ والمرْجِعُ.
الميسر في غريب القرآن — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
النجوى هي: التناجي بين اثنين فأكثر، وقد تكون في الخير، وتكون في الشر.فأمر الله تعالى المؤمنين أن يتناجوا بالبر، وهو اسم جامع لكل خير وطاعة، وقيام بحق لله ولعباده والتقوى، وهي [هنا]: اسم جامع لترك جميع المحارم والمآثم، فالمؤمن يمتثل هذا الأمر الإلهي، فلا تجده مناجيا ومتحدثا إلا بما يقربه من الله، ويباعده من سخطه، والفاجر يتهاون بأمر الله، ويناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، كالمنافقين الذين هذا دأبهم وحالهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم.قال تعالى وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ أي: يسيئون الأدب معك في تحيتهم لك، وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ أي: يسرون في أنفسهم ما ذكره عالم الغيب والشهادة عنهم، وهو قولهم: ﴿لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ ومعنى ذلك أنهم يتهاونون بذلك، ويستدلون بعدم تعجيل العقوبة عليهم، أن ما يقولون غير محذور، قال تعالى في بيان أنه يمهل ولا يهمل: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: تكفيهم جهنم التي جمعت كل شقاء وعذاب [عليهم]، تحيط بهم، ويعذبون بها ﴿فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ وهؤلاء المذكورون إما أناس من المنافقين يظهرون الإيمان، ويخاطبون الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب الذي يوهمون أنهم أرادوا به خيرا وهم كذبة في ذلك، وإما أناس من أهل الكتاب، الذين إذا سلموا على النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: "السام عليك يا محمد" يعنون بذلك الموت.
هذه الآية رقم 8 في سورة المجادلة التي عدد آياتها 22، وهي سورة مدنية ترتيبها 58 في المصحف، وتبدأ في الصفحة 542 من مصحف المدينة النبوية.