القرآن حول العالمالرئيسية
القرآن الكريم

تفسير القرطبي للآية 90 من سورة المائدة: ﴿يأيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر…﴾

معنى الآية ٩٠ من سورة المائدة باختصار

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَٰمُ رِجْسٌۭ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]

التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه إنما الخمر: وهي كل مسكر يغطي العقل، والميسر: وهو القمار، -وذلك يشمل المراهناتِ ونحوَها، مما فيه عوض من الجانبين، وصدٌّ عن ذكر الله- والأنصاب: وهي الحجارة التي كان المشركون يذبحون عندها تعظيمًا لها، وما ينصب للعبادة تقربًا إليه، والأزلام: وهي القِداح التي يستقسم بها الكفار قبل الإقدام على الأمر، أو الإحجام عنه، إنَّ ذلك كله إثم مِن تزيين الشيطان، فابتعدوا عن هذه الآثام، لعلكم تفوزون بالجنة.

ماذا قال المفسرون الآخرون في هذه الآية؟

  • تفسير السعدي: يذم تعالى هذه الأشياء القبيحة, ويخبر أنها من عمل الشيطان, وأنها رجس. " فَاجْتَنِبُوهُ " أي: اتركوه " لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " فإن الفلاح, لا يتم إلا بترك ما حرم الله, خصوصا هذه الفواحش المذكورة. وهي الخمر وهي كل ما… اقرأ تفسير السعدي كاملًا ←
  • تفسير الجلالين: "يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّمَا الْخَمْر" الْمُسْكِر الَّذِي يُخَامِر الْعَقْل "وَالْمَيْسِر" الْقِمَار "وَالْأَنْصَاب" الْأَصْنَام "وَالْأَزْلَام" قِدَاح الِاسْتِقْسَام "رِجْس" خَبِيث مُسْتَقْذَر "مِنْ عَمَل… اقرأ تفسير الجلالين كاملًا ←
  • تفسير ابن كثير: يَقُول تَعَالَى نَاهِيًا عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ عَنْ تَعَاطِي الْخَمْر وَالْمَيْسِر وَهُوَ الْقِمَار وَقَدْ وَرَدَ عَنْ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ الشِّطْرَنْج مِنْ… اقرأ تفسير ابن كثير كاملًا ←
  • تفسير الطبري: الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْر وَالْمَيْسِر وَالْأَنْصَاب وَالْأَزْلَام رِجْس مِنْ عَمَل الشَّيْطَان } وَهَذَا بَيَان مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لِلَّذِينَ… اقرأ تفسير الطبري كاملًا ←
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَٰمُ رِجْسٌۭ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٩٠﴾

سورة المائدة تفسير القرطبي

فِيهِ ثَلَاثَة عَشَر مَسْأَلَة : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " خِطَاب لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ بِتَرْكِ هَذِهِ الْأَشْيَاء ; إِذَا كَانَتْ شَهَوَات وَعَادَات تَلَبَّسُوا بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّة وَغَلَبَتْ عَلَى النُّفُوس , فَكَانَ نَفْي مِنْهَا فِي نُفُوس كَثِير مِنْ الْمُؤْمِنِينَ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل هَوَى الزَّجْر بِالطَّيْرِ , وَأَخْذ الْفَأْل فِي الْكُتُب وَنَحْوه مِمَّا يَصْنَعهُ النَّاس الْيَوْم , وَأَمَّا الْخَمْر فَكَانَتْ لَمْ تُحَرَّم بَعْد , وَإِنَّمَا نَزَلَ تَحْرِيمهَا فِي سَنَة ثَلَاث بَعْد وَقْعَة أُحُد , وَكَانَتْ وَقْعَة أُحُد فِي شَوَّال سَنَة ثَلَاث مِنْ الْهِجْرَة , وَتَقَدَّمَ اِشْتِقَاقهَا . وَأَمَّا " الْمَيْسِر " فَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " الْقَوْل فِيهِ , وَأَمَّا الْأَنْصَاب فَقِيلَ : هِيَ الْأَصْنَام . وَقِيلَ : هِيَ النَّرْد وَالشِّطْرَنْج ; وَيَأْتِي بَيَانهمَا فِي سُورَة " يُونُس " عِنْد قَوْله تَعَالَى : " فَمَاذَا بَعْد الْحَقّ إِلَّا الضَّلَال " [ يُونُس : 32 ] , وَأَمَّا الْأَزْلَام فَهِيَ الْقِدَاح , وَقَدْ مَضَى فِي أَوَّل السُّورَة الْقَوْل فِيهَا . وَيُقَال كَانَتْ فِي الْبَيْت عِنْد سَدَنَة الْبَيْت وَخُدَّام الْأَصْنَام ; يَأْتِي الرَّجُل إِذَا أَرَادَ حَاجَة فَيَقْبِض مِنْهَا شَيْئًا ; فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ أَمَرَنِي رَبِّي خَرَجَ إِلَى حَاجَته عَلَى مَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ . الثَّانِيَة : تَحْرِيم الْخَمْر كَانَ بِتَدْرِيجٍ وَنَوَازِل كَثِيرَة ; فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُولَعِينَ بِشُرْبِهَا , وَأَوَّل مَا نَزَلَ فِي شَأْنهَا " يَسْأَلُونَك عَنْ الْخَمْر وَالْمَيْسِر قُلْ فِيهِمَا إِثْم كَبِير وَمَنَافِع لِلنَّاسِ " [ الْبَقَرَة : 219 ] أَيْ فِي تِجَارَتهمْ ; فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة تَرَكَهَا بَعْض النَّاس وَقَالُوا : لَا حَاجَة لَنَا فِيمَا فِيهِ إِثْم كَبِير , وَلَمْ يَتْرُكهَا بَعْض النَّاس وَقَالُوا : نَأْخُذ مَنْفَعَتهَا وَنَتْرُك إِثْمهَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة " لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاة وَأَنْتُمْ سُكَارَى " [ النِّسَاء : 43 ] فَتَرَكَهَا بَعْض النَّاس وَقَالُوا : لَا حَاجَة لَنَا فِيمَا يَشْغَلنَا عَنْ الصَّلَاة , وَشَرِبَهَا بَعْض النَّاس فِي غَيْر أَوْقَات الصَّلَاة حَتَّى نَزَلَتْ : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْر وَالْمَيْسِر وَالْأَنْصَاب وَالْأَزْلَام رِجْس " الْآيَة - فَصَارَتْ حَرَامًا عَلَيْهِمْ حَتَّى صَارَ يَقُول بَعْضهمْ : مَا حَرَّمَ اللَّه شَيْئًا أَشَدّ مِنْ الْخَمْر , وَقَالَ أَبُو مَيْسَرَة : نَزَلَتْ بِسَبَبِ عُمَر بْن الْخَطَّاب ; فَإِنَّهُ ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُيُوب الْخَمْر , وَمَا يَنْزِل بِالنَّاسِ مِنْ أَجْلهَا , وَدَعَا اللَّه فِي تَحْرِيمهَا وَقَالَ : اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْر بَيَانًا شَافِيًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَات , فَقَالَ عُمَر : اِنْتَهَيْنَا اِنْتَهَيْنَا , وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " و " النِّسَاء " , وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاة وَأَنْتُمْ سُكَارَى " [ النِّسَاء : 43 ] , و " يَسْأَلُونَك عَنْ الْخَمْر وَالْمَيْسِر قُلْ فِيهِمَا إِثْم كَبِير وَمَنَافِع لِلنَّاسِ " [ الْبَقَرَة : 219 ] نَسَخَتْهَا الَّتِي فِي الْمَائِدَة . " إِنَّمَا الْخَمْر وَالْمَيْسِر وَالْأَنْصَاب " , وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص أَنَّهُ قَالَ : نَزَلَتْ فِي آيَات مِنْ الْقُرْآن ; وَفِيهِ قَالَ : وَأَتَيْت عَلَى نَفَر مِنْ الْأَنْصَار ; فَقَالُوا : تَعَالَ نُطْعِمك وَنَسْقِيك خَمْرًا , وَذَلِكَ قَبْل أَنْ تُحَرَّم الْخَمْر ; قَالَ : فَأَتَيْتهمْ فِي حُشّ - وَالْحُشّ الْبُسْتَان - فَإِذَا رَأْس جَزُور مَشْوِيّ عِنْدهمْ وَزِقّ مِنْ خَمْر ; قَالَ : فَأَكَلْت وَشَرِبْت مَعَهُمْ ; قَالَ : فَذَكَرْت الْأَنْصَار وَالْمُهَاجِرِينَ عِنْدهمْ فَقُلْت : الْمُهَاجِرُونَ خَيْر مِنْ الْأَنْصَار ; قَالَ : فَأَخَذَ رَجُل لَحْيَيْ جَمَل فَضَرَبَنِي بِهِ فَجَرَحَ أَنْفِي - وَفَى رِوَايَة فَفَزَرَهُ وَكَانَ أَنْف سَعْد مَفْزُورًا فَأَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْته ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى فِيَّ - يَعْنِي نَفْسه شَأْن الْخَمْر - " إِنَّمَا الْخَمْر وَالْمَيْسِر وَالْأَنْصَاب وَالْأَزْلَام رِجْس مِنْ عَمَل الشَّيْطَان فَاجْتَنِبُوهُ " . الثَّالِثَة : هَذِهِ الْأَحَادِيث تَدُلّ عَلَى أَنَّ شُرْب الْخَمْر كَانَ إِذْ ذَاكَ مُبَاحًا مَعْمُولًا بِهِ مَعْرُوفًا عِنْدهمْ بِحَيْثُ لَا يُنْكَر وَلَا يُغَيَّر , وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرَّ عَلَيْهِ , وَهَذَا مَا لَا خِلَاف فِيهِ ; يَدُلّ عَلَيْهِ آيَة النِّسَاء " لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاة وَأَنْتُمْ سُكَارَى " [ النِّسَاء : 43 ] عَلَى مَا تَقَدَّمَ , وَهَلْ كَانَ يُبَاح لَهُمْ شُرْب الْقَدْر الَّذِي يُسْكِر ؟ حَدِيث حَمْزَة ظَاهِر فِيهِ حِين بَقَرَ خَوَاصِر نَاقَتَيْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا وَجَبَّ أَسْنِمَتهمَا , فَأَخْبَرَ عَلِيّ بِذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَجَاءَ إِلَى حَمْزَة فَصَدَرَ عَنْ حَمْزَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْقَوْل الْجَافِي الْمُخَالِف لِمَا يَجِب عَلَيْهِ مِنْ اِحْتِرَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَوْقِيره وَتَعْزِيره , مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ حَمْزَة كَانَ قَدْ ذَهَبَ عَقْله بِمَا يُسْكِر ; وَلِذَلِكَ قَالَ الرَّاوِي : فَعَرَفَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ثَمِل ; ثُمَّ إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْكِر عَلَى حَمْزَة وَلَا عَنَّفَهُ , لَا فِي حَال سُكْره وَلَا بَعْد ذَلِكَ , بَلْ رَجَعَ لَمَّا قَالَ حَمْزَة : وَهَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيد لِأَبِي عَلَى عَقِبَيْهِ الْقَهْقَرَى وَخَرَجَ عَنْهُ , وَهَذَا خِلَاف مَا قَالَهُ الْأُصُولِيُّونَ وَحَكَوْهُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّ السُّكْر حَرَام فِي كُلّ شَرِيعَة ; لِأَنَّ الشَّرَائِع مَصَالِح الْعِبَاد لَا مَفَاسِدهمْ , وَأَصْل الْمَصَالِح الْعَقْل , كَمَا أَنَّ أَصْل الْمَفَاسِد ذَهَابه , فَيَجِب الْمَنْع مِنْ كُلّ مَا يُذْهِبهُ أَوْ يُشَوِّشهُ , إِلَّا أَنَّهُ يَحْتَمِل حَدِيث حَمْزَة أَنَّهُ لَمْ يَقْصِد بِشُرْبِهِ السُّكْر لَكِنَّهُ أَسْرَعَ فِيهِ فَغَلَبَهُ , وَاللَّه أَعْلَمُ . الرَّابِعَة : قَوْله تَعَالَى : " رِجْس " قَالَ اِبْن عَبَّاس فِي هَذِهِ الْآيَة : ( رِجْس ) سُخْط وَقَدْ يُقَال لِلنَّتْنِ وَالْعَذِرَة وَالْأَقْذَار رِجْس , وَالرِّجْز بِالزَّايِ الْعَذَاب لَا غَيْر , وَالرِّكْس الْعَذِرَة لَا غَيْر . وَالرِّجْس يُقَال لِلْأَمْرَيْنِ , وَمَعْنَى " مِنْ عَمَل الشَّيْطَان " أَيْ بِحَمْلِهِ عَلَيْهِ وَتَزْيِينه . وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي كَانَ عَمِلَ مَبَادِئ هَذِهِ الْأُمُور بِنَفْسِهِ حَتَّى اقْتُدِيَ بِهِ فِيهَا .



الْخَامِسَة : قَوْله تَعَالَى : " فَاجْتَنِبُوهُ " يُرِيد أَبْعِدُوهُ وَاجْعَلُوهُ نَاحِيَة ; فَأَمَرَ اللَّه تَعَالَى بِاجْتِنَابِ هَذِهِ الْأُمُور , وَاقْتَرَنَتْ بِصِيغَةِ الْأَمْر مَعَ نُصُوص الْأَحَادِيث وَإِجْمَاع الْأُمَّة , فَحَصَلَ الِاجْتِنَاب فِي جِهَة التَّحْرِيم ; فَبِهَذَا حُرِّمَتْ الْخَمْر , وَلَا خِلَاف بَيْن عُلَمَاء الْمُسْلِمِينَ أَنَّ سُورَة " الْمَائِدَة " نَزَلَتْ بِتَحْرِيمِ الْخَمْر , وَهِيَ مَدَنِيَّة مِنْ آخِر مَا نَزَلَ , وَوَرَدَ التَّحْرِيم فِي الْمَيْتَة وَالدَّم وَلَحْم الْخِنْزِير فِي قَوْله تَعَالَى : " قُلْ لَا أَجِد " وَغَيْرهَا مِنْ الْآي خَبَرًا , وَفِي الْخَمْر نَهْيًا وَزَجْرًا , وَهُوَ أَقْوَى التَّحْرِيم وَأَوْكَده . رَوَى اِبْن عَبَّاس قَالَ : لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيم الْخَمْر , مَشَى أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضهمْ إِلَى بَعْض , وَقَالُوا حُرِّمَتْ الْخَمْر , وَجُعِلَتْ عِدْلًا لِلشِّرْكِ ; يَعْنِي أَنَّهُ قَرَنَهَا بِالذَّبْحِ لِلْأَنْصَابِ وَذَلِكَ شِرْك . ثُمَّ عَلَّقَ " لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " فَعَلَّقَ الْفَلَاح بِالْأَمْرِ , وَذَلِكَ يَدُلّ عَلَى تَأْكِيد الْوُجُوب . وَاللَّه أَعْلَمُ . السَّادِسَة : فَهِمَ الْجُمْهُورُ مِنْ تَحْرِيم الْخَمْر , وَاسْتِخْبَاث الشَّرْع لَهَا , وَإِطْلَاق الرِّجْس عَلَيْهَا , وَالْأَمْر بِاجْتِنَابِهَا , الْحُكْمَ بِنَجَاسَتِهَا , وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ رَبِيعَة وَاللَّيْث بْن سَعْد وَالْمُزَنِيّ صَاحِب الشَّافِعِيّ , وَبَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْبَغْدَادِيِّينَ وَالْقَرَوِيِّينَ فَرَأَوْا أَنَّهَا طَاهِرَة , وَأَنَّ الْمُحَرَّم إِنَّمَا هُوَ شُرْبهَا . وَقَدْ اِسْتَدَلَّ سَعِيد بْن الْحَدَّاد الْقَرَوِيّ عَلَى طَهَارَتهَا بِسَفْكِهَا فِي طُرُق الْمَدِينَة ; قَالَ : وَلَوْ كَانَتْ نَجِسَة لَمَا فَعَلَ ذَلِكَ الصَّحَابَة رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِمْ , وَلَنَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ كَمَا نَهَى عَنْ التَّخَلِّي فِي الطُّرُق , وَالْجَوَاب ; أَنَّ الصَّحَابَة فَعَلَتْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سُرُوب وَلَا آبَار يُرِيقُونَهَا فِيهَا , إِذْ الْغَالِب مِنْ أَحْوَالهمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ كُنُف فِي بُيُوتهمْ , وَقَالَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا إِنَّهُمْ كَانُوا يَتَقَذَّرُونَ مِنْ اِتِّخَاذ الْكُنُف فِي الْبُيُوت , وَنَقْلهَا إِلَى خَارِج الْمَدِينَة فِيهِ كُلْفَة وَمَشَقَّة , وَيَلْزَم مِنْهُ تَأْخِير مَا وَجَبَ عَلَى الْفَوْر , وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يُمْكِن التَّحَرُّز مِنْهَا ; فَإِنَّ طُرُق الْمَدِينَة كَانَتْ وَاسِعَة , وَلَمْ تَكُنْ الْخَمْر مِنْ الْكَثْرَة بِحَيْثُ تَصِير نَهْرًا يَعُمّ الطَّرِيق كُلّهَا , بَلْ إِنَّمَا جَرَتْ فِي مَوَاضِع يَسِيرَة يُمْكِن التَّحَرُّز عَنْهَا - هَذَا - مَعَ مَا يَحْصُل فِي ذَلِكَ مِنْ فَائِدَة شُهْرَة إِرَاقَتهَا فِي طُرُق الْمَدِينَة , لِيَشِيعَ الْعَمَل عَلَى مُقْتَضَى تَحْرِيمهَا مِنْ إِتْلَافهَا , وَأَنَّهُ لَا يُنْتَفَع بِهَا , وَتَتَابَعَ النَّاس وَتَوَافَقُوا عَلَى ذَلِكَ , وَاللَّه أَعْلَمُ . فَإِنْ قِيلَ : التَّنْجِيس حُكْم شَرْعِيّ وَلَا نَصّ فِيهِ , وَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْن الشَّيْء مُحَرَّمًا أَنْ يَكُون نَجِسًا ; فَكَمْ مِنْ مُحَرَّم فِي الشَّرْع لَيْسَ بِنَجِسٍ ; قُلْنَا : قَوْله تَعَالَى : " رِجْس " يَدُلّ عَلَى نَجَاسَتهَا ; فَإِنَّ الرِّجْس فِي اللِّسَان النَّجَاسَة , ثُمَّ لَوْ اِلْتَزَمْنَا أَلَّا نَحْكُم بِحُكْمٍ إِلَّا حَتَّى نَجِد فِيهِ نَصًّا لَتَعَطَّلَتْ الشَّرِيعَة ; فَإِنَّ النُّصُوص فِيهَا قَلِيلَة ; فَأَيّ نَصّ يُوجَد عَلَى تَنْجِيس الْبَوْل وَالْعَذِرَة وَالدَّم وَالْمَيْتَة وَغَيْر ذَلِكَ ؟ وَإِنَّمَا هِيَ الظَّوَاهِر وَالْعُمُومَات وَالْأَقْيِسَة , وَسَيَأْتِي فِي سُورَة " الْحَجّ " مَا يُوَضِّح هَذَا الْمَعْنَى إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .



السَّابِعَة : قَوْله : " فَاجْتَنِبُوهُ " يَقْتَضِي الِاجْتِنَاب الْمُطْلَق الَّذِي لَا يُنْتَفَع مَعَهُ بِشَيْءٍ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوه ; لَا بِشُرْبٍ وَلَا بَيْع وَلَا تَخْلِيل وَلَا مُدَاوَاة وَلَا غَيْر ذَلِكَ , وَعَلَى هَذَا تَدُلّ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْبَاب , وَرَوَى مُسْلِم عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ رَجُلًا أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاوِيَة خَمْر , فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هَلْ عَلِمْت أَنَّ اللَّه حَرَّمَهَا ) قَالَ : لَا , قَالَ : فَسَارَّ رَجُلًا فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بِمَ سَارَرْته ) ؟ قَالَ : أَمَرْته بِبَيْعِهَا ; فَقَالَ : ( إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبهَا حَرَّمَ بَيْعهَا ) , قَالَ : فَفَتَحَ الْمَزَادَة حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهَا ; فَهَذَا حَدِيث يَدُلّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ; إِذْ لَوْ كَانَ فِيهَا مَنْفَعَة مِنْ الْمَنَافِع الْجَائِزَة لَبَيَّنَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَمَا قَالَ فِي الشَّاة الْمَيِّتَة . ( هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ ) الْحَدِيث . الثَّامِنَة : أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيم بَيْع الْخَمْر وَالدَّم , وَفِي ذَلِكَ دَلِيل عَلَى تَحْرِيم بَيْع الْعَذِرَات وَسَائِر النَّجَاسَات وَمَا لَا يَحِلّ أَكْله ; وَلِذَلِكَ - وَاللَّه أَعْلَمُ - كَرِهَ مَالِك بَيْع زِبْل الدَّوَابّ , وَرَخَّصَ فِيهِ اِبْن الْقَاسِم لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَنْفَعَة ; وَالْقِيَاس مَا قَالَهُ مَالِك , وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِيّ , وَهَذَا الْحَدِيث شَاهِد بِصِحَّةِ ذَلِكَ . التَّاسِعَة : ذَهَبَ جُمْهُور الْفُقَهَاء إِلَى أَنَّ الْخَمْر لَا يَجُوز تَخْلِيلهَا لِأَحَدٍ , وَلَوْ جَازَ تَخْلِيلهَا مَا كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَدَع الرَّجُل أَنْ يَفْتَح الْمَزَادَة حَتَّى يَذْهَب مَا فِيهَا ; لِأَنَّ الْخَلّ مَال وَقَدْ نُهِيَ عَنْ إِضَاعَة الْمَال , وَلَا يَقُول أَحَد فِيمَنْ أَرَاقَ خَمْرًا عَلَى مُسْلِم إِنَّهُ أَتْلَفَ لَهُ مَالًا , وَقَدْ أَرَاقَ عُثْمَان بْن أَبِي الْعَاص خَمْرًا لِيَتِيمٍ , وَاسْتُؤْذِنَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَخْلِيلهَا فَقَالَ : ( لَا ) وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ . ذَهَبَ إِلَى هَذَا طَائِفَة مِنْ الْعُلَمَاء مِنْ أَهْل الْحَدِيث وَالرَّأْي , وَإِلَيْهِ مَالَ سَحْنُون بْن سَعِيد , وَقَالَ آخَرُونَ : لَا بَأْس بِتَخْلِيلِ الْخَمْر وَلَا بَأْس بِأَكْلِ مَا تَخَلَّلَ مِنْهَا بِمُعَالَجَةِ آدَمِيّ أَوْ غَيْرهَا ; وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث بْن سَعْد وَالْكُوفِيِّينَ , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : إِنْ طَرَحَ فِيهَا الْمِسْك وَالْمِلْح فَصَارَتْ مُرَبَّى وَتَحَوَّلَتْ عَنْ حَال الْخَمْر جَازَ , وَخَالَفَهُ مُحَمَّد بْن الْحَسَن فِي الْمُرَبَّى وَقَالَ : لَا تُعَالَج الْخَمْر بِغَيْرِ تَحْوِيلهَا إِلَى الْخَلّ وَحْده . قَالَ أَبُو عُمَر : اِحْتَجَّ الْعِرَاقِيُّونَ فِي تَخْلِيل الْخَمْر بِأَبِي الدَّرْدَاء ; وَهُوَ يَرْوِي عَنْ أَبِي إِدْرِيس الْخَوْلَانِيّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء مِنْ وَجْه لَيْسَ بِالْقَوِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَأْكُل الْمُرَبَّى مِنْهُ , وَيَقُول : دَبَغَتْهُ الشَّمْس وَالْمِلْح , وَخَالَفَهُ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَعُثْمَان بْن أَبِي الْعَاص فِي تَخْلِيل الْخَمْر ; وَلَيْسَ فِي رَأْي أَحَد حُجَّة مَعَ السُّنَّة , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق , وَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَنْع مِنْ تَخْلِيلهَا كَانَ فِي بَدْء الْإِسْلَام عِنْد نُزُول تَحْرِيمهَا ; لِئَلَّا يُسْتَدَام حَبْسهَا لِقُرْبِ الْعَهْد بِشُرْبِهَا , إِرَادَة لِقَطْعِ الْعَادَة فِي ذَلِكَ , وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي النَّهْي عَنْ تَخْلِيلهَا حِينَئِذٍ , وَالْأَمْر بِإِرَاقَتِهَا مَا يَمْنَع مِنْ أَكْلهَا إِذَا خُلِّلَتْ . وَرَوَى أَشْهَب عَنْ مَالِك قَالَ : إِذَا خَلَّلَ النَّصْرَانِيّ خَمْرًا فَلَا بَأْس بِأَكْلِهِ , وَكَذَلِكَ إِنْ خَلَّلَهَا مُسْلِم وَاسْتَغْفَرَ اللَّه ; وَهَذِهِ الرِّوَايَة ذَكَرَهَا اِبْن عَبْد الْحَكَم فِي كِتَابه . وَالصَّحِيح مَا قَالَهُ مَالِك فِي رِوَايَة اِبْن الْقَاسِم وَابْن وَهْب أَنَّهُ لَا يَحِلّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُعَالِج الْخَمْر حَتَّى يَجْعَلهَا خَلًّا وَلَا يَبِيعهَا , وَلَكِنْ لِيُهَرِيقهَا . الْعَاشِرَة : لَمْ يَخْتَلِف قَوْل مَالِك وَأَصْحَابه أَنَّ الْخَمْر إِذَا تَخَلَّلَتْ بِذَاتِهَا أَنَّ أَكْل ذَلِكَ الْخَلّ حَلَال , وَهُوَ قَوْل عُمَر بْن الْخَطَّاب وَقَبِيصَة وَابْن شِهَاب , وَرَبِيعَة وَأَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ , وَهُوَ تَحْصِيل مَذْهَبه عِنْد أَكْثَر أَصْحَابه . الْحَادِيَة عَشْرَة : ذَكَرَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد أَنَّهَا تُمْلَك , وَنَزَعَ إِلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ يُمْكِن أَنْ يُزَال بِهَا الْغَصَص , وَيُطْفَأ بِهَا حَرِيق ; وَهَذَا نَقْل لَا يُعْرَف لِمَالِك , بَلْ يُخَرَّج هَذَا عَلَى قَوْل مَنْ يَرَى أَنَّهَا طَاهِرَة , وَلَوْ جَازَ مِلْكهَا لَمَا أَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِرَاقَتِهَا , وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمِلْك نَوْع نَفْع وَقَدْ بَطَلَ بِإِرَاقَتِهَا . وَالْحَمْد لِلَّهِ . الثَّانِيَة عَشْرَة : هَذِهِ الْآيَة تَدُلّ عَلَى تَحْرِيم اللَّعِب بِالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْج قِمَارًا أَوْ غَيْر قِمَار ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى لَمَّا حَرَّمَ الْخَمْر أَخْبَرَ بِالْمَعْنَى الَّذِي فِيهَا فَقَالَ : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْر وَالْمَيْسِر " الْآيَة . ثُمَّ قَالَ : " إِنَّمَا يُرِيد الشَّيْطَان أَنْ يُوقِع بَيْنكُمْ الْعَدَاوَة وَالْبَغْضَاء " الْآيَة . فَكُلّ لَهْو دَعَا قَلِيله إِلَى كَثِير , وَأَوْقَعَ الْعَدَاوَة وَالْبَغْضَاء بَيْن الْعَاكِفِينَ عَلَيْهِ , وَصَدَّ عَنْ ذِكْر اللَّه وَعَنْ الصَّلَاة فَهُوَ كَشُرْبِ الْخَمْر , وَأَوْجَبَ أَنْ يَكُون حَرَامًا مِثْله . فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ شُرْب الْخَمْر يُورِث السُّكْر فَلَا يُقْدَر مَعَهُ عَلَى الصَّلَاة وَلَيْسَ فِي اللَّعِب بِالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْج هَذَا الْمَعْنَى ; قِيلَ لَهُ : قَدْ جَمَعَ اللَّه تَعَالَى بَيْن الْخَمْر وَالْمَيْسِر فِي التَّحْرِيم , وَوَصَفَهُمَا جَمِيعًا بِأَنَّهُمَا يُوقِعَانِ الْعَدَاوَة وَالْبَغْضَاء بَيْن النَّاس , وَيَصُدَّانِ عَنْ ذِكْر اللَّه وَعَنْ الصَّلَاة ; وَمَعْلُوم أَنَّ الْخَمْر إِنْ أَسْكَرَتْ فَالْمَيْسِر لَا يُسْكِر , ثُمَّ لَمْ يَكُنْ عِنْد اللَّه اِفْتِرَاقهمَا فِي ذَلِكَ يَمْنَع مِنْ التَّسْوِيَة بَيْنهمَا فِي التَّحْرِيم لِأَجْلِ مَا اِشْتَرَكَا فِيهِ مِنْ الْمَعَانِي , وَأَيْضًا فَإِنَّ قَلِيل الْخَمْر لَا يُسْكِر كَمَا أَنَّ اللَّعِب بِالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْج لَا يُسْكِر , ثُمَّ كَانَ حَرَامًا مِثْل الْكَثِير , فَلَا يُنْكَر أَنْ يَكُون اللَّعِب بِالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْج حَرَامًا مِثْل الْخَمْر وَإِنْ كَانَ لَا يُسْكِر . وَأَيْضًا فَإِنَّ اِبْتِدَاء اللَّعِب يُورِث الْغَفْلَة , فَتَقُوم تِلْكَ الْغَفْلَة الْمُسْتَوْلِيَة عَلَى الْقَلْب مَكَان السُّكْر ; فَإِنْ كَانَتْ الْخَمْر إِنَّمَا حُرِّمَتْ لِأَنَّهَا تُسْكِر فَتَصُدّ بِالْإِسْكَارِ عَنْ الصَّلَاة , فَلْيُحَرَّمْ اللَّعِب بِالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْج لِأَنَّهُ يُغْفِل وَيُلْهِي فَيَصُدّ بِذَلِكَ عَنْ الصَّلَاة , وَاللَّه أَعْلَمُ . الثَّالِثَة عَشْرَة : مُهْدِي الرَّاوِيَة يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَمْ يَبْلُغهُ النَّاسِخ , وَكَانَ مُتَمَسِّكًا بِالْإِبَاحَةِ الْمُتَقَدِّمَة , فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْحُكْم لَا يَرْتَفِع بِوُجُودِ النَّاسِخ - كَمَا يَقُول بَعْض الْأُصُولِيِّينَ - بَلْ بِبُلُوغِهِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيث , وَهُوَ الصَّحِيح ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوَبِّخهُ , بَلْ بَيَّنَ لَهُ الْحُكْم ; وَلِأَنَّهُ مُخَاطَب بِالْعَمَلِ بِالْأَوَّلِ بِحَيْثُ لَوْ تَرَكَهُ عَصَى بِلَا خِلَاف , وَإِنْ كَانَ النَّاسِخ قَدْ حَصَلَ فِي الْوُجُود , وَذَلِكَ كَمَا وَقَعَ لِأَهْلِ قُبَاء ; إِذْ كَانُوا يُصَلُّونَ إِلَى بَيْت الْمَقْدِس إِلَى أَنْ أَتَاهُمْ الْآتِي فَأَخْبَرَهُمْ بِالنَّاسِخِ , فَمَالُوا نَحْو الْكَعْبَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَة " الْبَقَرَة " وَالْحَمْد لِلَّهِ ; وَتَقَدَّمَ فِيهَا ذِكْر الْخَمْر وَاشْتِقَاقهَا وَالْمَيْسِر , وَقَدْ مَضَى فِي صَدْر هَذِهِ السُّورَة الْقَوْل فِي الْأَنْصَاب وَالْأَزْلَام . وَالْحَمْد لِلَّهِ .

هذه الآية رقم 90 في سورة المائدة التي عدد آياتها 120، وهي سورة مدنية ترتيبها 5 في المصحف، وتبدأ في الصفحة 106 من مصحف المدينة النبوية.

اقرأ تفسير الآية نفسها في: تفسير ابن كثير · تفسير الجلالين · تفسير الطبري · تفسير السعدي