التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
وألْهمنا أم موسى حين ولدته وخشيت عليه أن يذبحه فرعون كما يذبح أبناء بني إسرائيل: أن أرضعيه مطمئنة، فإذا خشيت أن يُعرف أمره فضعيه في صندوق وألقيه في النيل، دون خوف من فرعون وقومه أن يقتلوه، ودون حزن على فراقه، إنا رادُّو ولدك إليك وباعثوه رسولًا. فوضعته في صندوق وألقته في النيل، فعثر عليه أعوان فرعون وأخذوه، فكانت عاقبةُ ذلك ما قَدَّره الله بأن يكون موسى عدوًّا لهم بمخالفة دينهم، وموقعًا لهم في الحزن بإغراقهم وزوال مُلْكهم على يده. إن فرعون وهامان وأعوانهما كانوا آثمين مشركين.
" فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ " فصار من لقطهم, وهم الذين باشروا وجدانه.
" لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا " أي: لتكون العاقبة والمآل من هذا الالتقاط, أن يكون عدوا لهم وحزنا يحزنهم, بسبب أن الحذر لا ينفع من القدر, وأن الذي خافوا منه من بني إسرائيل, قيض اللّه أن يكون زعيمهم, يتربى تحت أيديهم, وعلى نظرهم, وبكفالتهم.
وعند التدبر والتأمل, تجد في طي ذلك من المصالح لبني إسرائيل, ودفع كثير من الأمور الفادحة بهم, ومنع كثير من التعديات قبل رسالته بحيث إنه صار من كبار المملكة.
وبالطبع لا بد أن يحصل منه مدافعة عن حقوق شعبه هذا, وهو هو ذو الهمة العالية والغيرة المتوقدة.
ولهذا وصلت الحال بذلك الشعب المستضعف - الذي بلغ بهم الذل والإهانة, إلى ما قص اللّه علينا بعضه - أن صار بعض أفراده, ينازع ذلك الشعب القاهر العالي في الأرض: كما سيأتي بيانه.
وهذا مقدمة للظهور, فإن اللّه تعالى من سنته الجارية, أن جعل الأمور تمشي على التدريج, شيئا فشيئا, ولا تأتي دفعة واحدة.
وقوله " إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ " أي: مجرمين, فأردنا أن نعاقبهم على إجرامهم, ونكيد لهم, جزاء على مكرهم وكيدهم.
هذه الآية رقم 8 في سورة القصص التي عدد آياتها 88، وهي سورة مكية ترتيبها 28 في المصحف، وتبدأ في الصفحة 385 من مصحف المدينة النبوية.