القرآن حول العالمالرئيسية
القرآن الكريم

تفسير القرطبي للآية 66 من سورة النحل: ﴿وإن لكم فى الأنعام لعبرة نسقيكم…﴾

معنى الآية ٦٦ من سورة النحل باختصار

﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَٰمِ لَعِبْرَةًۭ ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيْنِ فَرْثٍۢ وَدَمٍۢ لَّبَنًا خَالِصًۭا سَآئِغًۭا لِّلشَّٰرِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦]

التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف

وإن لكم -أيها الناس- في الأنعام -وهي الإبل والبقر والغنم- لَعظة، فقد شاهدتم أننا نسقيكم من ضروعها لبنًا خارجًا مِن بين فَرْث -وهو ما في الكَرِش- وبين دم خالصًا من كل الشوائب، لذيذًا لا يَغَصُّ به مَن شَرِبَه.

ماذا قال المفسرون الآخرون في هذه الآية؟

  • تفسير السعدي: أي: " وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ " التي سخرها الله لمنافعكم " لَعِبْرَةً " تستدلون بها على كمال قدرة الله, وسعة إحسانه, حيث أسقاكم من بطونها المشتملة على الفرث والدم. فأخرج من بين ذلك, لبنا خالصا من الكدر سائغا… اقرأ تفسير السعدي كاملًا ←
  • تفسير الجلالين: "وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَام لَعِبْرَة" اعْتِبَار "نُسْقِيكُمْ" بَيَان لِلْعِبْرَةِ "مِمَّا فِي بُطُونه" أَيْ الْأَنْعَام "مِنْ" لِلِابْتِدَاءِ مُتَعَلِّقَة بِنُسْقِيكُمْ "بَيْن فَرْث" ثُفْل الْكَرِش "وَدَم لَبَنًا… اقرأ تفسير الجلالين كاملًا ←
  • تفسير ابن كثير: يَقُول تَعَالَى " وَإِنَّ لَكُمْ " أَيّهَا النَّاس " فِي الْأَنْعَام " وَهِيَ الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم " لَعِبْرَة " أَيْ لَآيَة وَدَلَالَة حِكْمَة خَالِقهَا وَقُدْرَته وَرَحْمَته وَلُطْفه " نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي… اقرأ تفسير ابن كثير كاملًا ←
  • تفسير الطبري: الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَام لَعِبْرَة نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِنَّ لَكُمْ أَيّهَا النَّاس لَعِظَة فِي الْأَنْعَام الَّتِي نُسْقِيكُمْ… اقرأ تفسير الطبري كاملًا ←
وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَٰمِ لَعِبْرَةًۭ ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيْنِ فَرْثٍۢ وَدَمٍۢ لَّبَنًا خَالِصًۭا سَآئِغًۭا لِّلشَّٰرِبِينَ ﴿٦٦﴾

سورة النحل تفسير القرطبي

قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِي الْأَنْعَام , وَهِيَ هُنَا الْأَصْنَاف الْأَرْبَعَة : الْإِبِل وَالْبَقَر وَالضَّأْن وَالْمَعْز . " لَعِبْرَة " أَيْ دَلَالَة عَلَى قُدْرَة اللَّه وَوَحْدَانِيّته وَعَظَمَته . وَالْعِبْرَة أَصْلهَا تَمْثِيل الشَّيْء بِالشَّيْءِ لِتُعْرَف حَقِيقَته مِنْ طَرِيق الْمُشَاكَلَة , وَمِنْهُ " فَاعْتَبِرُوا " [ الْحَشْر : 2 ] . وَقَالَ أَبُو بَكْر الْوَرَّاق : الْعِبْرَة فِي الْأَنْعَام تَسْخِيرهَا لِأَرْبَابِهَا وَطَاعَتهَا لَهُمْ , وَتَمَرُّدك عَلَى رَبّك وَخِلَافك لَهُ فِي كُلّ شَيْء . وَمِنْ أَعْظَم الْعِبَر بَرِيء يَحْمِل مُذْنِبًا .







قِرَاءَة أَهْل الْمَدِينَة وَابْن عَامِر وَعَاصِم فِي رِوَايَة أَبِي بَكْر بِفَتْحِ النُّون مِنْ سَقَى يَسْقِي . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ وَحَفْص عَنْ عَاصِم بِضَمِّ النُّون مِنْ أَسْقَى يُسْقِي , وَهِيَ قِرَاءَة الْكُوفِيِّينَ وَأَهْل مَكَّة . قِيلَ : هُمَا لُغَتَانِ . وَقَالَ لَبِيد : سَقَى قَوْمِي بَنِي مَجْد وَأَسْقَى نُمَيْرًا وَالْقَبَائِل مِنْ هِلَال وَقِيلَ : يُقَال لِمَا كَانَ مِنْ يَدك إِلَى فِيهِ سَقَيْته , فَإِذَا جَعَلْت لَهُ شَرَابًا أَوْ عَرَضْته لِأَنْ يَشْرَب بِفِيهِ أَوْ يَزْرَعهُ قُلْت أَسْقَيْته ; قَالَ اِبْن عَزِيز , وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَقَرَأَتْ فِرْقَة " تُسْقِيكُمْ " بِالتَّاءِ , وَهِيَ ضَعِيفَة , يَعْنِي الْأَنْعَام . وَقُرِئَ بِالْيَاءِ , أَيْ يَسْقِيكُمْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَالْقُرَّاء عَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ ; فَفَتْحُ النُّون لُغَةُ قُرَيْش وَضَمُّهَا لُغَةُ حِمْيَر .







اِخْتَلَفَ النَّاس فِي الضَّمِير مِنْ قَوْله : " مِمَّا فِي بُطُونه " عَلَى مَاذَا يَعُود . فَقِيلَ : هُوَ عَائِد إِلَى مَا قَبْله وَهُوَ جَمْع الْمُؤَنَّث . قَالَ سِيبَوَيْهِ : الْعَرَب تُخْبِر عَنْ الْأَنْعَام بِخَبَرِ الْوَاحِد . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَمَا أَرَاهُ عَوَّلَ عَلَيْهِ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْآيَة , وَهَذَا لَا يُشْبِه مَنْصِبه وَلَا يَلِيق بِإِدْرَاكِهِ . وَقِيلَ : لَمَّا كَانَ لَفْظ الْجَمْع وَهُوَ اِسْم الْجِنْس يُذَكَّر وَيُؤَنَّث فَيُقَال : هُوَ الْأَنْعَام وَهِيَ الْأَنْعَام , جَازَ عَوْد الضَّمِير بِالتَّذْكِيرِ ; وَقَالَ الزَّجَّاج , وَقَالَ الْكِسَائِيّ : مَعْنَاهُ مِمَّا فِي بُطُون مَا ذَكَرْنَاهُ , فَهُوَ عَائِد عَلَى الْمَذْكُور ; وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : " إِنَّهَا تَذْكِرَة . فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ " [ عَبَسَ : 11 - 12 ] وَقَالَ الشَّاعِر : مِثْل الْفِرَاخ نُتِفَتْ حَوَاصِله وَمِثْله كَثِير . وَقَالَ الْكِسَائِيّ : " مِمَّا فِي بُطُونه " أَيْ مِمَّا فِي بُطُون بَعْضه ; إِذْ الذُّكُور لَا أَلْبَان لَهَا , وَهُوَ الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ أَبُو عُبَيْدَة . وَقَالَ الْفَرَّاء : الْأَنْعَام وَالنَّعَم وَاحِد , وَالنَّعَم يُذَكَّر , وَلِهَذَا تَقُول الْعَرَب : هَذَا نَعَم وَارِد , فَرَجَعَ الضَّمِير إِلَى لَفْظ النَّعَم الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْأَنْعَام . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : إِنَّمَا رَجَعَ التَّذْكِير إِلَى مَعْنَى الْجَمْع , وَالتَّأْنِيث إِلَى مَعْنَى الْجَمَاعَة , فَذَكَرَهُ هُنَا بِاعْتِبَارِ لَفْظ الْجَمْع , وَأَنَّثَهُ فِي سُورَة الْمُؤْمِنِينَ بِاعْتِبَارِ لَفْظ الْجَمَاعَة فَقَالَ : " نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونهَا " [ الْمُؤْمِنُونَ : 21 ] وَبِهَذَا التَّأْوِيل يَنْتَظِم الْمَعْنَى اِنْتِظَامًا حَسَنًا . وَالتَّأْنِيث بِاعْتِبَارِ لَفْظ الْجَمَاعَة وَالتَّذْكِير بِاعْتِبَارِ لَفْظ الْجَمْع أَكْثَر مِنْ رَمْل يَبْرِينَ وَتَيْهَاء فِلَسْطِين .



اِسْتَنْبَطَ بَعْض الْعُلَمَاء الْجِلَّة وَهُوَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيل مِنْ عَوْد هَذَا الضَّمِير , أَنَّ لَبَن الْفَحْل يُفِيد التَّحْرِيم , وَقَالَ : إِنَّمَا جِيءَ بِهِ مُذَكَّرًا لِأَنَّهُ رَاجِع إِلَى ذِكْر النَّعَم ; لِأَنَّ اللَّبَن لِلذَّكَرِ مَحْسُوب , وَلِذَلِكَ قَضَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ لَبَن الْفَحْل يُحَرِّم حِين أَنْكَرَتْهُ عَائِشَة فِي حَدِيث أَفْلَح أَخِي أَبِي الْقُعَيْس ( فَلِلْمَرْأَةِ السَّقْي وَلِلرَّجُلِ اللِّقَاح ) فَجَرَى الِاشْتِرَاك فِيهِ بَيْنهمَا . وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِي تَحْرِيم لَبَن الْفَحْل فِي " النِّسَاء " وَالْحَمْد لِلَّهِ







نَبَّهَ سُبْحَانه عَلَى عَظِيم قُدْرَته بِخُرُوجِ اللَّبَن خَالِصًا بَيْن الْفَرْث وَالدَّم . وَالْفَرْث : الزِّبْل الَّذِي يَنْزِل إِلَى الْكَرِش , فَإِذَا خَرَجَ لَمْ يُسَمَّ فَرْثًا . يُقَال : أَفْرَثْت الْكَرِش إِذَا أَخْرَجْت مَا فِيهَا . وَالْمَعْنَى : أَنَّ الطَّعَام يَكُون فِيهِ مَا فِي الْكَرِش وَيَكُون مِنْهُ الدَّم , ثُمَّ يَخْلُص اللَّبَن مِنْ الدَّم ; فَأَعْلَمَ اللَّه سُبْحَانه أَنَّ هَذَا اللَّبَن يَخْرُج مِنْ بَيْن ذَلِكَ وَبَيْن الدَّم فِي الْعُرُوق . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنَّ الدَّابَّة تَأْكُل الْعَلَف فَإِذَا اِسْتَقَرَّ فِي كَرِشهَا طَبَخَتْهُ فَكَانَ أَسْفَله فَرْثًا وَأَوْسَطه لَبَنًا وَأَعْلَاهُ دَمًا , وَالْكَبِد مُسَلَّط عَلَى هَذِهِ الْأَصْنَاف فَتَقْسِم الدَّم وَتُمَيِّزهُ وَتُجْرِيهِ فِي الْعُرُوق , وَتُجْرِي اللَّبَن فِي الضَّرْع وَيَبْقَى الْفَرْث كَمَا هُوَ فِي الْكَرِش ; " حِكْمَة بَالِغَة فَمَا تُغْنِ النُّذُر " [ الْقَمَر : 5 ] . " خَالِصًا " يُرِيد مِنْ حُمْرَة الدَّم وَقَذَارَة الْفَرْث وَقَدْ جَمَعَهُمَا وِعَاء وَاحِد . وَقَالَ اِبْن بَحْر : خَالِصًا بَيَاضه . قَالَ النَّابِغَة : بِخَالِصَةِ الْأَرْدَان خُضْر الْمَنَاكِب أَيْ بِيض الْأَكْمَام . وَهَذِهِ قُدْرَة لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِلْقَائِمِ عَلَى كُلّ شَيْء بِالْمَصْلَحَةِ .



قَالَ النَّقَّاش : فِي هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمَنِيّ لَيْسَ بِنَجَسٍ . وَقَالَهُ أَيْضًا غَيْره وَاحْتَجَّ بِأَنْ قَالَ : كَمَا يَخْرُج اللَّبَن مِنْ بَيْن الْفَرْث وَالدَّم سَائِغًا خَالِصًا كَذَلِكَ يَجُوز أَنْ يَخْرُج الْمَنِيّ عَلَى مَخْرَج الْبَوْل طَاهِرًا . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : إِنَّ هَذَا لَجَهْل عَظِيم وَأَخْذ شَنِيع . اللَّبَن جَاءَ الْخَبَر عَنْهُ مَجِيء النِّعْمَة وَالْمِنَّة الصَّادِرَة عَنْ الْقُدْرَة لِيَكُونَ عِبْرَة , فَاقْتَضَى ذَلِكَ كُلّه وَصْف الْخُلُوص وَاللَّذَّة ; وَلَيْسَ الْمَنِيّ مِنْ هَذِهِ الْحَالَة حَتَّى يَكُون مُلْحَقًا بِهِ أَوْ مَقِيسًا عَلَيْهِ .



قُلْت : قَدْ يُعَارَض هَذَا بِأَنْ يُقَال : وَأَيّ مِنَّة أَعْظَم وَأَرْفَع مِنْ خُرُوج الْمَنِيّ الَّذِي يَكُون عَنْهُ الْإِنْسَان الْمُكَرَّم ; وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : " يَخْرُج مِنْ بَيْن الصُّلْب وَالتَّرَائِب " [ الطَّارِق : 7 ] , وَقَالَ : " وَاَللَّه جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَة " [ النَّحْل : 72 ] وَهَذَا غَايَة فِي الِامْتِنَان . فَإِنْ قِيلَ : إِنَّهُ يَتَنَجَّس بِخُرُوجِهِ فِي مَجْرَى الْبَوْل , قُلْنَا : هُوَ مَا أَرَدْنَاهُ , فَالنَّجَاسَة عَارِضَة وَأَصْله طَاهِر ; وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَخْرَجه غَيْر مَخْرَج الْبَوْل وَخَاصَّة الْمَرْأَة ; فَإِنَّ مَدْخَل الذَّكَر مِنْهَا وَمَخْرَج الْوَلَد غَيْر مَخْرَج الْبَوْل عَلَى مَا قَالَهُ الْعُلَمَاء . وَقَدْ تَقَدَّمَ فَإِنْ قِيلَ : أَصْله دَم فَهُوَ نَجَس , قُلْنَا يَنْتَقِض بِالْمِسْكِ , فَإِنَّ أَصْله دَم وَهُوَ طَاهِر . وَمِمَّنْ قَالَ بِطَهَارَتِهِ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَغَيْرهمْ ; لِحَدِيثِ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : كُنْت أَفْرُكهُ مِنْ ثَوْب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَابِسًا بِظُفُرِي . قَالَ الشَّافِعِيّ : فَإِنْ لَمْ يُفْرَك فَلَا بَأْس بِهِ . وَكَانَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص يَفْرُك الْمَنِيّ مِنْ ثَوْبه . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : هُوَ كَالنُّخَامَةِ أَمِطْهُ عَنْك بِإِذْخِرَة وَامْسَحْهُ بِخِرْقَةٍ . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا قَالَتْ : كُنْت أَغْسِل الْمَنِيّ مِنْ ثَوْب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَخْرُج إِلَى الصَّلَاة فِي ذَلِكَ الثَّوْب وَأَنَا أَنْظُر إِلَى أَثَر الْغُسْل فِيهِ . قُلْنَا : يَحْتَمِل أَنْ تَكُون غَسَلَتْهُ اِسْتِقْذَارًا كَالْأَشْيَاءِ الَّتِي تُزَال مِنْ الثَّوْب كَالنَّجَاسَةِ , وَيَكُون هَذَا جَمْعًا بَيْن الْأَحَادِيث . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ مَالِك وَأَصْحَابه وَالْأَوْزَاعِيّ : هُوَ نَجَس . قَالَ مَالِك : غَسْل الِاحْتِلَام مِنْ الثَّوْب أَمْر وَاجِب مُجْتَمَع عَلَيْهِ عِنْدنَا , وَهُوَ قَوْل الْكُوفِيِّينَ . وَيُرْوَى عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَابْن مَسْعُود وَجَابِر بْن سَمُرَة أَنَّهُمْ غَسَلُوهُ مِنْ ثِيَابهمْ . وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ اِبْن عُمَر وَعَائِشَة . وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ فِي نَجَاسَة الْمَنِيّ وَطَهَارَته التَّابِعُونَ .



فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى جَوَاز الِانْتِفَاع بِالْأَلْبَانِ مِنْ الشُّرْب وَغَيْره , فَأَمَّا لَبَن الْمَيْتَة فَلَا يَجُوز الِانْتِفَاع بِهِ ; لِأَنَّهُ مَائِع طَاهِر حَصَلَ فِي وِعَاء نَجَس , وَذَلِكَ أَنَّ ضَرْع الْمَيْتَة نَجَس وَاللَّبَن طَاهِر فَإِذَا حُلِبَ صَارَ مَأْخُوذًا مِنْ وِعَاء نَجَس . فَأَمَّا لَبَن الْمَرْأَة الْمَيِّتَة فَاخْتَلَفَ أَصْحَابنَا فِيهِ , فَمَنْ قَالَ : إِنَّ الْإِنْسَان طَاهِر حَيًّا وَمَيِّتًا فَهُوَ طَاهِر . وَمَنْ قَالَ : يَنْجُس بِالْمَوْتِ فَهُوَ نَجِس . وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا تَثْبُت الْحُرْمَة ; لِأَنَّ الصَّبِيّ قَدْ يَغْتَذِي بِهِ كَمَا يَغْتَذِي مِنْ الْحَيَّة , وَذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( الرَّضَاع مَا أَنْبَتَ اللَّحْم وَأَنْشَزَ الْعَظْم ) . وَلَمْ يَخُصّ . وَقَدْ مَضَى فِي " النِّسَاء "







أَيْ لَذِيذًا هَيِّنًا لَا يَغَصّ بِهِ مَنْ شَرِبَهُ . يُقَال : سَاغَ الشَّرَاب يَسُوغ سَوْغًا أَيْ سَهُلَ مَدْخَله فِي الْحَلْق , وَأَسَاغَهُ شَارَبَهُ , وَسُغْته أَنَا أَسِيغهُ وَأَسُوغهُ , يَتَعَدَّى , وَالْأَجْوَد أَسَغْته إِسَاغَة . يُقَال : أَسِغْ لِي غُصَّتِي أَيْ أَمْهِلْنِي وَلَا تُعْجِلنِي ; وَقَالَ تَعَالَى : " يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَاد يُسِيغهُ " [ إِبْرَاهِيم : 17 ] . وَالسِّوَاغ - بِكَسْرِ السِّين - مَا أَسَغْت بِهِ غُصَّتك . يُقَال : الْمَاء سِوَاغ الْغُصَص ; وَمِنْهُ قَوْل الْكُمَيْت : فَكَانَتْ سِوَاغًا أَنْ جَئْزت بِغُصَّةٍ وَرُوِيَ أَنَّ اللَّبَن لَمْ يَشْرَق بِهِ أَحَد قَطُّ , وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .



فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى اِسْتِعْمَال الْحَلَاوَة وَالْأَطْعِمَة اللَّذِيذَة وَتَنَاوُلهَا , وَلَا يُقَال : إِنَّ ذَلِكَ يُنَاقِض الزُّهْد أَوْ يُبَاعِدهُ , لَكِنْ إِذَا كَانَ مِنْ وَجْهه وَمِنْ غَيْر سَرَف وَلَا إِكْثَار . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي " الْمَائِدَة " وَغَيْرهَا وَفِي الصَّحِيح عَنْ أَنَس قَالَ : لَقَدْ سَقَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَدَحِي هَذَا الشَّرَاب كُلّه : الْعَسَل وَالنَّبِيذ وَاللَّبَن وَالْمَاء . وَقَدْ كَرِهَ بَعْض الْقُرَّاء أَكْل الْفَالُوذَج وَاللَّبَن مِنْ الطَّعَام , وَأَبَاحَهُ عَامَّة الْعُلَمَاء . وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ كَانَ عَلَى مَائِدَة وَمَعَهُ مَالِك بْن دِينَار , فَأُتِيَ بِفَالُوذَج فَامْتَنَعَ عَنْ أَكْله , فَقَالَ لَهُ الْحَسَن : كُلْ فَإِنَّ عَلَيْك فِي الْمَاء الْبَارِد أَكْثَر مِنْ هَذَا .



رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْره عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : أُتِيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَبَنٍ فَشَرِبَ , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا أَكَلَ أَحَدكُمْ طَعَامًا فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ . وَإِذَا سُقِيَ لَبَنًا فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْء يَجْزِي عَنْ الطَّعَام وَالشَّرَاب إِلَّا اللَّبَن ) . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فَكَيْفَ لَا يَكُون ذَلِكَ وَهُوَ أَوَّل مَا يَغْتَذِي بِهِ الْإِنْسَان وَتَنْمِي بِهِ الْجُثَث وَالْأَبْدَان , فَهُوَ قُوت خَلِيّ عَنْ الْمَفَاسِد بِهِ قِوَام الْأَجْسَام , وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّه تَعَالَى عَلَامَة لِجِبْرِيل عَلَى هِدَايَة هَذِهِ الْأُمَّة الَّتِي هِيَ خَيْر الْأُمَم أُمَّة ; فَقَالَ فِي الصَّحِيح : ( فَجَاءَنِي جِبْرِيل بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْر وَإِنَاء مِنْ لَبَن فَاخْتَرْت اللَّبَن فَقَالَ لِي جِبْرِيل اِخْتَرْت الْفِطْرَة أَمَا إِنَّك لَوْ اِخْتَرْت الْخَمْر غَوَتْ أُمَّتك ) . ثُمَّ إِنَّ فِي الدُّعَاء بِالزِّيَادَةِ مِنْهُ عَلَامَة الْخِصْب وَظُهُور الْخَيْرَات وَالْبَرَكَات ; فَهُوَ مُبَارَك كُلّه .

هذه الآية رقم 66 في سورة النحل التي عدد آياتها 128، وهي سورة مكية ترتيبها 16 في المصحف، وتبدأ في الصفحة 267 من مصحف المدينة النبوية.

اقرأ تفسير الآية نفسها في: تفسير ابن كثير · تفسير الجلالين · تفسير الطبري · تفسير السعدي