حول العالمالقرآن الكريمالرئيسية
القرآن الكريم

تفسير ابن كثير للآية 11 من سورة الأنفال: ﴿إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل…﴾

الآية ١١ من سورة الأنفال في صفحة واحدة

في موقع حول العالم صفحة خاصة لهذه الآية تجمع نصها بالرسم العثماني، والتفسير الميسّر وتفسير السعدي والجلالين، والترجمة، ومواضيع الآية والمقالات المرتبطة بها، مع الاستماع والتكرار للحفظ.

إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةًۭ مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَٰنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلْأَقْدَامَ ﴿١١﴾

سورة الأنفال تفسير ابن كثير

يُذَكِّرُهُمْ اللَّه تَعَالَى بِمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ إِلْقَائِهِ النُّعَاس عَلَيْهِمْ أَمَانًا أَمَّنَهُمْ بِهِ مِنْ خَوْفهمْ الَّذِي حَصَلَ لَهُمْ مِنْ كَثْرَة عَدُوّهُمْ وَقِلَّة عَدَدِهِمْ وَكَذَلِكَ فَعَلَ تَعَالَى بِهِمْ يَوْمَ أُحُدٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى " ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْد الْغَمّ أَمَنَة نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَة مِنْكُمْ وَطَائِفَة قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ " الْآيَةَ . قَالَ أَبُو طَلْحَة : كُنْت مِمَّنْ أَصَابَهُ النُّعَاسُ يَوْم أُحُد وَلَقَدْ سَقَطَ السَّيْف مِنْ يَدِي مِرَارًا يَسْقُط وَآخُذهُ وَيَسْقُط وَآخُذهُ وَلَقَدْ نَظَرْت إِلَيْهِمْ يَمِيدُونَ وَهُمْ تَحْت الْحَجَف . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو يَعْلَى حَدَّثَنَا زُهَيْر حَدَّثَنَا اِبْن مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ حَارِثَة بْن مُضَرِّبٍ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : مَا كَانَ فِينَا فَارِس يَوْم بَدْر غَيْر الْمِقْدَاد وَلَقَدْ رَأَيْتنَا وَمَا فِينَا إِلَّا نَائِم إِلَّا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي تَحْت شَجَرَة وَيَبْكِي حَتَّى أَصْبَحَ . وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ عَاصِم عَنْ أَبِي رَزِين عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : النُّعَاس فِي الْقِتَال أَمَنَة مِنْ اللَّه وَفِي الصَّلَاة مِنْ الشَّيْطَان وَقَالَ قَتَادَة : النُّعَاس فِي الرَّأْس وَالنَّوْم فِي الْقَلْب قُلْت أَمَّا النُّعَاس فَقَدْ أَصَابَهُمْ يَوْم أُحُد وَأَمْر ذَلِكَ مَشْهُور جِدًّا وَأَمَّا الْآيَة الشَّرِيفَة إِنَّمَا هِيَ فِي سِيَاق قِصَّة بَدْر وَهِيَ دَالَّة عَلَى وُقُوع ذَلِكَ أَيْضًا وَكَأَنَّ ذَلِكَ كَائِن لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْد شِدَّة الْبَأْس لِتَكُونَ قُلُوبهمْ آمِنَة مُطْمَئِنَّة بِنَصْرِ اللَّه وَهَذَا مِنْ فَضْل اللَّه وَرَحْمَتِهِ بِهِمْ وَنِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ وَكَمَا قَالَ تَعَالَى " فَإِنَّ مَعَ الْعُسْر يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْر يُسْرًا " وَلِهَذَا جَاءَ فِي الصَّحِيح أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْر فِي الْعَرِيش مَعَ الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَهُمَا يَدْعُوَانِ أَخَذَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِنَةٌ مِنْ النَّوْم ثُمَّ اِسْتَيْقَظَ مُبْتَسِمًا فَقَالَ " أَبْشِرْ يَا أَبَا بَكْر هَذَا جِبْرِيل عَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْع " ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَاب الْعَرِيش وَهُوَ يَتْلُو قَوْله تَعَالَى " سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُر " وَقَوْله " وَيُنَزِّل عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاء مَاء " قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : نَزَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين سَارَ إِلَى بَدْر وَالْمُشْرِكُونَ بَيْنهمْ وَبَيْن الْمَاء رَمْلَة دَعْصَة وَأَصَابَ الْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ شَدِيدٌ وَأَلْقَى الشَّيْطَان فِي قُلُوبهمْ الْغَيْظ يُوَسْوِس بَيْنهمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء اللَّه تَعَالَى وَفِيكُمْ رَسُوله وَقَدْ غَلَبَكُمْ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْمَاء وَأَنْتُمْ تُصَلُّونَ مُجْنِبِينَ فَأَمْطَرَ اللَّه عَلَيْهِمْ مَطَرًا شَدِيدًا فَشَرِبَ الْمُسْلِمُونَ وَتَطَهَّرُوا وَأَذْهَب اللَّه عَنْهُمْ رِجْس الشَّيْطَان وَثَبَتَ الرَّمَل حِين أَصَابَهُ الْمَطَر وَمَشَى النَّاس عَلَيْهِ وَالدَّوَابّ فَسَارُوا إِلَى الْقَوْم وَأَمَدَّ اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلَائِكَة فَكَانَ جِبْرِيل فِي خَمْسِمِائَةٍ مُجَنِّبَةٍ وَمِيكَائِيل فِي خَمْسِمِائَةٍ مُجَنِّبَة . وَكَذَا قَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس : إِنَّ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْش لَمَّا خَرَجُوا لِيَنْصُرُوا الْعِير وَلِيُقَاتِلُوا عَنْهَا نَزَلُوا عَلَى الْمَاء يَوْم بَدْر فَغَلَبُوا الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ فَأَصَابَ الْمُؤْمِنِينَ الظَّمَأُ فَجَعَلُوا يُصَلُّونَ مُجْنِبِينَ مُحْدِثِينَ حَتَّى تَعَاطَوْا ذَلِكَ فِي صُدُورهمْ فَأَنْزَلَ اللَّه مِنْ السَّمَاء مَاء حَتَّى سَالَ الْوَادِي فَشَرِبَ الْمُؤْمِنُونَ وَمَلَئُوا الْأَسْقِيَة وَسَقَوْا الرِّكَاب وَاغْتَسَلُوا مِنْ الْجَنَابَة فَجَعَلَ اللَّه فِي ذَلِكَ طَهُورًا وَثَبَّتَ بِهِ الْأَقْدَام وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَتْ بَيْنهمْ وَبَيْن الْقَوْم رَمْلَة فَبَعَثَ اللَّه الْمَطَر عَلَيْهَا فَضَرَبَهَا حَتَّى اِشْتَدَّتْ وَثَبَتَتْ عَلَيْهَا الْأَقْدَام . وَنَحْو ذَلِكَ رُوِيَ عَنْ قَتَادَة وَالضَّحَّاك وَالسُّدِّيّ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَالشَّعْبِيّ وَالزُّهْرِيّ وَعَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ أَنَّهُ طَشٌّ أَصَابَهُمْ يَوْم بَدْر . وَالْمَعْرُوف أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سَارَ إِلَى بَدْر نَزَلَ عَلَى أَدْنَى مَاء هُنَاكَ أَيْ أَوَّل مَاء وَجَدَهُ فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْحُبَاب بْن الْمُنْذِر فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه هَذَا الْمَنْزِل الَّذِي نَزَلْته مَنْزِلَة أَنْزَلَك اللَّه إِيَّاهُ فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نُجَاوِزهُ أَوْ مَنْزِل نَزَلْته لِلْحَرْبِ وَالْمَكِيدَة ؟ فَقَالَ " بَلْ مَنْزِل نَزَلْته لِلْحَرْبِ وَالْمَكِيدَة " فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْزِلٍ وَلَكِنْ سِرْ بِنَا حَتَّى نَنْزِل عَلَى أَدْنَى مَاء يَلِي الْقَوْم وَنُغَوِّر مَا وَرَاءَهُ مِنْ الْقُلُب وَنَسْتَقِي الْحِيَاض فَيَكُون لَنَا مَاء وَلَيْسَ لَهُمْ مَاء فَسَارَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَعَلَ كَذَلِكَ وَفِي مَغَازِي الْأُمَوِيّ أَنَّ الْحُبَاب لَمَّا قَالَ ذَلِكَ نَزَلَ مَلَكٌ مِنْ السَّمَاء وَجِبْرِيل جَالِس عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ذَلِكَ الْمَلَك : يَا مُحَمَّد إِنَّ رَبّك يُقْرِئك السَّلَام وَيَقُول لَك إِنَّ الرَّأْي مَا أَشَارَ بِهِ الْحُبَاب بْن الْمُنْذِر فَالْتَفَتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ " هَلْ تَعْرِف هَذَا ؟ " فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ : مَا كُلّ الْمَلَائِكَة أَعْرِفُهُمْ وَإِنَّهُ مَلَك وَلَيْسَ بِشَيْطَانٍ . وَأَحْسَنُ مَا فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْإِمَام مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن يَسَار صَاحِب الْمَغَازِي رَحِمَهُ اللَّه حَدَّثَنِي يَزِيد بْن رُومَان عَنْ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر قَالَ : بَعَثَ اللَّه السَّمَاء وَكَانَ الْوَادِي دَهْسًا فَأَصَابَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه مَا لَبَّدَ لَهُمْ الْأَرْض وَلَمْ يَمْنَعهُمْ مِنْ الْمَسِير وَأَصَابَ قُرَيْشًا مَا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَرْحَلُوا مَعَهُ وَقَالَ مُجَاهِد : أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِمْ الْمَطَر قَبْل النُّعَاس فَأَطْفَأَ بِالْمَطَرِ الْغُبَار وَتَلَبَّدَتْ بِهِ الْأَرْض وَطَابَتْ نُفُوسهمْ وَثَبَتَتْ بِهِ أَقْدَامهمْ وَقَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنَا هَارُون بْن إِسْحَاق حَدَّثَنَا مُصْعَب بْن الْمِقْدَام حَدَّثَنَا إِسْرَائِيل حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاق عَنْ جَارِيَة عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : أَصَابَنَا مِنْ اللَّيْل طَشٌّ مِنْ الْمَطَر يَعْنِي اللَّيْلَة الَّتِي كَانَتْ فِي صَبِيحَتهَا وَقْعَة بَدْر فَانْطَلَقْنَا تَحْت الشَّجَر وَالْحَجَف نَسْتَظِلّ تَحْتهَا مِنْ الْمَطَر وَبَاتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَرَّضَ عَلَى الْقِتَال . وَقَوْله " لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ " أَيْ مِنْ حَدَثٍ أَصْغَر أَوْ أَكْبَر وَهُوَ تَطْهِير الظَّاهِر " وَيُذْهِب عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَان " أَيْ مِنْ وَسْوَسَة أَوْ خَاطِر سَيِّئ وَهُوَ تَطْهِير الْبَاطِن كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي حَقّ أَهْل الْجَنَّة " عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ " فَهَذَا زِينَة الظَّاهِر " وَسَقَاهُمْ رَبّهمْ شَرَابًا طَهُورًا " أَيْ مُطَهِّرًا لِمَا كَانَ مِنْ غِلّ أَوْ حَسَد أَوْ تَبَاغُضٍ وَهُوَ زِينَة الْبَاطِن وَطَهَارَته " وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبكُمْ " أَيْ بِالصَّبْرِ وَالْإِقْدَام عَلَى مُجَالَدَة الْأَعْدَاء وَهُوَ شَجَاعَة الْبَاطِن " وَيُثَبِّت بِهِ الْأَقْدَام " وَهُوَ شَجَاعَة الظَّاهِر وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

هذه الآية رقم 11 في سورة الأنفال التي عدد آياتها 75، وهي سورة مدنية ترتيبها 8 في المصحف، وتبدأ في الصفحة 177 من مصحف المدينة النبوية.

اقرأ تفسير الآية نفسها في: تفسير الجلالين · تفسير الطبري · تفسير القرطبي · تفسير السعدي