التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
واذكر -أيها الرسول لقومك- حين قال عيسى بن مريم لقومه: إني رسول الله إليكم، مصدِّقاً لما جاء قبلي من التوراة، وشاهداً بصدق رسول يأتي من بعدي اسمه «أحمد»، وهو محمد -صلى الله عليه وسلم-، وداعياً إلى التصديق به، فلما جاءهم محمد -صلى الله عليه وسلم- بالآيات الواضحات، قالوا: هذا الذي جئتنا به سحر بيِّن.
يقول تعالى مخبرا عن عناد بني إسرائيل المتقدمين، الذين دعاهم عيسى ابن مريم، وقال لهم: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ أي: أرسلني الله لأدعوكم إلى الخير وأنهاكم عن الشر، [وأيدني بالبراهين الظاهرة]، ومما يدل على صدقي، كوني، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ أي: جئت بما جاء به موسى من التوراة والشرائع السماوية، ولو كنت مدعيا للنبوة، لجئت بغير ما جاءت به المرسلون، ومصدقا لما بين يدي من التوارة أيضا، أنها أخبرت بي وبشرت، فجئت وبعثت مصداقا لها ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد وهو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب النبي الهاشمي.فعيسى عليه الصلاة والسلام، كالأنبياء يصدق بالنبي السابق، ويبشر بالنبي اللاحق، بخلاف الكذابين، فإنهم يناقضون الأنبياء أشد مناقضة، ويخالفونهم في الأوصاف والأخلاق، والأمر والنهي فَلَمَّا جَاءَهُمْ محمد صلى الله عليه وسلم الذي بشر به عيسى بِالْبَيِّنَاتِ أي: الأدلة الواضحة، الدالة على أنه هو، وأنه رسول الله [حقا]. قَالُوا معاندين للحق مكذبين له ﴿هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وهذا من أعجب العجائب، الرسول الذي [قد] وضحت رسالته، وصارت أبين من شمس النهار، يجعل ساحرا بينا سحره، فهل في الخذلان أعظم من هذا؟ وهل في الافتراء أعظم من هذا الافتراء، الذي نفى عنه ما كان معلوما من رسالته، وأثبت له ما كان أبعد الناس منه؟
هذه الآية رقم 6 في سورة الصف التي عدد آياتها 14، وهي سورة مدنية ترتيبها 61 في المصحف، وتبدأ في الصفحة 551 من مصحف المدينة النبوية.