كيف تحدى القرآن الكريم العرب في بلاغتهم؟
تحدى القرآن الكريم العرب، وهم أرباب الفصاحة والبلاغة، أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور، أو بسورة واحدة من مثله. ورغم قوتهم اللغوية واعتزازهم ببيانهم، عجزوا تماماً عن مواجهة هذا التحدي الإلهي الخالد، مما أثبت يقيناً أن هذا القرآن هو كلام الله تعالى المنزل وليس قولاً للبشر.
وقد تدرج التحدي الإلهي في القرآن الكريم؛ فبدأ بالتحدي بالإتيان بالقرآن كاملاً، ثم بعشر سور مثله مفتريات، ثم بسورة واحدة، مما يدل على كمال عجزهم. وهذا العجز العظيم يعود إلى أن كلام الله جل وعلا صفة من صفاته القائمة به، وكلام الباري سبحانه لا يشبهه كلام المخلوقين، فهو جل شأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وقد بيّن الإمام ابن كثير في تفسيره أن العرب الذين نزل فيهم القرآن كانوا أفصح الأمم وبلغاءهم، ومع ذلك ظهر عجزهم وبان بطلان ادعاءاتهم أمام سور القرآن العظيمة التي أذهلت العقول.
لماذا عجز البلغاء عن معارضة القرآن الكريم؟
عجز البلغاء عن معارضة القرآن لأن نظمه العجيب، وحلاوة ألفاظه، وجلال معانيه تجلّت فيها آثار القدرة والإعجاز الإلهي. فالقرآن ليس شعراً ولا نثراً، بل هو كلام الله الذي يأخذ بالألباب، ويحمل الصدق المطلق في أخباره وهداية كاملة في أحكامه، وهو ما لا يقدر عليه بشر.
وذكر الشيخ السعدي -رحمه الله- في تفسيره أن قوة التحدي تنبع من كون القرآن في أعلى درجات الفصاحة، ومشتصلاً على الصدق التام والعدل الكامل. وقد أشار النبي ﷺ إلى عظمة هذه المعجزة الخالدة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة» (رواه البخاري). وهذا الوحي المعجز باقي بحفظ الله العظيم جل جلاله إلى قيام الساعة.
ما الواجب علينا عند تدبر آيات التحدي؟
الواجب على المسلم عند تدبر آيات التحدي أن يزداد إيماناً بعظمة القرآن الكريم وصدق رسالة نبينا محمد ﷺ. ويتطلب ذلك الإقبال على كتاب الله تلاوة وتدبراً وعملاً، والاستسلام لإرشاداته وهداياته، واليقين التام بأنه الحبل المتين والنور المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
إن الوقوف عند هذا التحدي يورث القلب خشية لله عز وجل وتعظيماً لكلامه الحكيم. وكما أوضح الإمام الطبري في تفسيره، فإن التحدي يقطع حجج المعاندين ويبين الحق للسالكين. ونحن اليوم نرى إعجاز القرآن قائماً ينادي الأجيال كافة، مذكرين أنفسنا دوماً بعظمة من تكلم به سبحانه وتعالى، السميع العليم، الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، ويسر القرآن للذكر فهل من مدكر.
حول العالم