التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
وإذا طَلَّقتم النساء فقاربن انتهاء عدتهن، فراجعوهن، ونيتكم القيام بحقوقهن على الوجه المستحسن شرعاً وعرفاً، أو اتركوهن حتى تنقضي عدتهن. واحذروا أن تكون مراجعتهن بقصد الإضرار بهن لأجل الاعتداء على حقوقهن. ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه باستحقاقه العقوبة، ولا تتخذوا آياتِ الله وأحكامَه لعباً ولهواً. واذكروا نعمة الله عليكم بالإسلام وتفصيل الأحكام. واذكروا ما أنزل الله عليكم من القرآن والسنة، واشكروا له سبحانه على هذه النعم الجليلة، يُذكِّركم الله بهذا، ويخوفكم من المخالفة، فخافوا الله وراقبوه، واعلموا أن الله عليم بكل شيء، لا يخفى عليه شيء، وسيجازي كُلّاً بما يستحق.
معاني كلمات الآية
فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ
فقارَبْنَ انقضاءَ العِدَّةِ.
فَأَمۡسِكُوهُنَّ
فراجِعُوهُنَّ.
بِمَعۡرُوفٍ
مِنْ غيرِ قَصْدٍ لضِرارٍ.
سَرِّحُوهُنَّ
اترُكُوهُنَّ، حتى تنقضِيَ العِدَّةُ.
وَلَا تُمۡسِكُوهُنَّ ضِرَارٗا
لا تَكُنْ مُراجَعَتُهن بقَصْدِ الاعتداءِ والظلمِ لهن.
هُزُوٗا
لَعِباً بها بالتجرُّؤِ عليها.
وَٱلۡحِكۡمَةِ
السُّنَّةِ.
الميسر في غريب القرآن — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ أي: طلاقا رجعيا بواحدة أو ثنتين. ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: قاربن انقضاء عدتهن. ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي: إما أن تراجعوهن, ونيتكم القيام بحقوقهن, أو تتركوهن بلا رجعة ولا إضرار, ولهذا قال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ أي: مضارة بهن ﴿لِتَعْتَدُوا﴾ في فعلكم هذا الحلال, إلى الحرام، فالحلال: الإمساك بمعروف والحرام: المضارة، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ ولو كان الحق يعود للمخلوق فالضرر عائد إلى من أراد الضرار. ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ لما بين تعالى حدوده غاية التبيين, وكان المقصود, العلم بها والعمل, والوقوف معها, وعدم مجاوزتها, لأنه تعالى لم ينزلها عبثا, بل أنزلها بالحق والصدق والجد, نهى عن اتخاذها هزوا, أي: لعبا بها, وهو التجرؤ عليها, وعدم الامتثال لواجبها، مثل استعمال المضارة في الإمساك, أو الفراق, أو كثرة الطلاق, أو جمع الثلات، والله من رحمته جعل له واحدة بعد واحدة, رفقا به وسعيا في مصلحته. ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ عموما باللسان ثناء وحمدا، وبالقلب اعترافا وإقرارا, وبالأركان بصرفها في طاعة الله، ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ أي: السنة اللذين بيّن لكم بهما طرق الخير ورغبكم فيها, وطرق الشر وحذركم إياها, وعرفكم نفسه ووقائعه في أوليائه وأعدائه, وعلمكم ما لم تكونوا تعلمون. وقيل: المراد بالحكمة أسرار الشريعة, فالكتاب فيه, الحكم، والحكمة فيها, بيان حكمة الله في أوامره ونواهيه، وكلا المعنيين صحيح، ولهذا قال ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي: بما أنزل عليكم, وهذا مما يقوي أن المراد بالحكمة, أسرار الشريعة, لأن الموعظة ببيان الحكم والحكمة, والترغيب, أو الترهيب, فالحكم به, يزول الجهل، والحكمة مع الترغيب, يوجب الرغبة، والحكمة مع الترهيب يوجب الرهبة. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في جميع أموركم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فلهذا بيّن لكم هذه الأحكام بغاية الإحكام والإتقان التي هي جارية مع المصالح في كل زمان ومكان, [فله الحمد والمنة].
هذه الآية رقم 231 في سورة البقرة التي عدد آياتها 286، وهي سورة مدنية ترتيبها 2 في المصحف، وتبدأ في الصفحة 2 من مصحف المدينة النبوية.