التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
لا يعاقبكم الله -أيها المسلمون- فيما لا تقصدون عَقْدَه من الأيمان، مثل قول بعضكم: لا والله، وبلى والله، ولكن يعاقِبُكم فيما قصدتم عقده بقلوبكم، فإذا لم تَفُوا باليمين فإثم ذلك يمحوه الله بما تقدِّمونه مما شرعه الله لكم كفارة من إطعام عشرة محتاجين لا يملكون ما يكفيهم ويسدُّ حاجتهم، لكل مسكين نصف صاع مِن أوسط طعام أهل البلد، أو كسوتهم، لكل مسكين ما يكفي في الكسوة عُرفاً، أو إعتاق مملوك من الرق، فالحالف الذي لم يَفِ بيمينه مخيَّر بين هذه الأمور الثلاثة، فمن لم يجد شيئاً من ذلك فعليه صيام ثلاثة أيام. تلك مكفرات عدم الوفاء بأيمانكم، واحفظوا -أيها المسلمون- أيمانكم: باجتناب الحلف، أو الوفاء إن حلفتم، أو الكفارة إذا لم تَفُوا بها. كما بيَّن الله لكم حكم الأيمان والتحلل منها يُبيِّن لكم أحكام دينه؛ لتشكروا له على هدايته إياكم إلى الطريق المستقيم.
معاني كلمات الآية
بِٱللَّغۡوِ
بما لا تَقْصِدُون عَقْدَه.
عَقَّدتُّمُ
بما أَوْجَبْتُموه على أنفسِكم.
مِنۡ أَوۡسَطِ
ممَّا تعتادُونه من غير إسرافٍ أو تَقْتيرٍ.
وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡ
باجتنابِ المسارعةِ إلى الحَلِفِ، والحِنْثِ به.
الميسر في غريب القرآن — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ أي: في أيمانكم التي صدرت على وجه اللغو، وهي الأيمان التي حلف بها المقسم من غير نية ولا قصد، أو عقدها يظن صدق نفسه، فبان بخلاف ذلك. وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ أي: بما عزمتم عليه، وعقدت عليه قلوبكم. كما قال في الآية الأخرى: وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ أي: كفارة اليمين الذي عقدتموها بقصدكم ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ وذلك الإطعام ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ أي: كسوة عشرة مساكين، والكسوة هي التي تجزئ في الصلاة. ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أي: عتق رقبة مؤمنة كما قيدت في غير هذا الموضع، فمتى فعل واحدا من هذه الثلاثة فقد انحلت يمينه. ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ واحدا من هذه الثلاثة ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ﴾ المذكور ﴿كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ تكفرها وتمحوها وتمنع من الإثم. ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ عن الحلف بالله كاذبا، وعن كثرة الأيمان، واحفظوها إذا حلفتم عن الحنث فيها، إلا إذا كان الحنث خيرا، فتمام الحفظ: أن يفعل الخير، ولا يكون يمينه عرضة لذلك الخير. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ المبينة للحلال من الحرام، الموضحة للأحكام. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ اللهَ حيث علمكم ما لم تكونوا تعلمون. فعلى العباد شكر الله تعالى على ما منَّ به عليهم، من معرفة الأحكام الشرعية وتبيينها.
هذه الآية رقم 89 في سورة المائدة التي عدد آياتها 120، وهي سورة مدنية ترتيبها 5 في المصحف، وتبدأ في الصفحة 106 من مصحف المدينة النبوية.