التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
فبطغيانهم ملُّوا الراحة والأمن ورغد العيش، وقالوا: ربنا اجعل قُرانا متباعدة؛ ليبعد سفرنا بينها، فلا نجد قرى عامرة في طريقنا، وظلموا أنفسهم بكفرهم فأهلكناهم، وجعلناهم عبراً وأحاديث لمن يأتي بعدهم، وفَرَّقناهم كل تفريق وخربت بلادهم، إن فيما حَلَّ «بسبأ» لَعبرة لكل صبَّار على المكاره والشدائد، شكور لنعم الله تعالى.
معاني كلمات الآية
بَٰعِدۡ بَيۡنَ أَسۡفَارِنَا
أي: اجْعَلْ هذه القُرَى المُتَقارِبةَ مُتَباعِدةً لِيَبْعُدَ سَفَرُنا بَينَها.
أَحَادِيثَ
أي: ذوي أخبارٍ يتحدّثُ الناسُ بها في مجالِسِهِم للتَّعَجُّبِ والاعْتِبارِ.
وَمَزَّقۡنَٰهُمۡ
فَرَّقْناهُم في البلادِ.
لَأٓيَٰتٖ
لَعِبراً وعِظاتٍ.
الميسر في غريب القرآن — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
فلما أصابهم ما أصابهم, تفرقوا وتمزقوا, بعدما كانوا مجتمعين, وجعلهم اللّه أحاديث يتحدث بهم, وأسمارا للناس, وكان يضرب بهم المثل فيقال: "تفرقوا أيدي سبأ" فكل أحد يتحدث بما جرى لهم، ولكن لا ينتفع بالعبرة فيهم إلا من قال اللّه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ صبار على المكاره والشدائد, يتحملها لوجه اللّه, ولا يتسخطها بل يصبر عليها. شكور لنعمة اللّه تعالى يُقِرُّ بها, ويعترف, ويثني على من أولاها, ويصرفها في طاعته. فهذا إذا سمع بقصتهم, وما جرى منهم وعليهم, عرف بذلك أن تلك العقوبة, جزاء لكفرهم نعمة اللّه, وأن من فعل مثلهم, فُعِلَ به كما فعل بهم، وأن شكر اللّه تعالى, حافظ للنعمة, دافع للنقمة، وأن رسل اللّه, صادقون فيما أخبروا به، وأن الجزاء حق, كما رأى أنموذجه في دار الدنيا.
هذه الآية رقم 19 في سورة سبأ التي عدد آياتها 54، وهي سورة مكية ترتيبها 34 في المصحف، وتبدأ في الصفحة 428 من مصحف المدينة النبوية.