التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
وأجْلَسَ أباه وأمه على سرير ملكه بجانبه؛ إكراماً لهما، وحيَّاه أبواه وإخوته الأحد عشر بالسجود له تحية وتكريماً، لا عبادةً وخضوعاً، وكان ذلك جائزاً في شريعتهم، وقد حَرُم في شريعتنا؛ سدّاً لذريعة الشرك بالله. وقال يوسف لأبيه: هذا السجود هو تفسير رؤياي التي قصصتها عليك من قبل في صغري، قد جعلها ربي صدقاً، وقد تفضَّل عليَّ حين أخرجني من السجن، وجاء بكم إليَّ من البادية، من بعد أن أفسد الشيطان رابطة الأخوة بيني وبين إخوتي. إن ربي لطيف التدبير لما يشاء، إنه هو العليم بمصالح عباده، الحكيم في أقواله وأفعاله.
معاني كلمات الآية
وَرَفَعَ أَبَوَيۡهِ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ
أَجْلَسَهما بجانبِه على سريرِ مُلْكِه؛ إكراماً لهما.
وَخَرُّواْ
هَوَى أبوه وإخوتُه إلى الأرضِ.
لَهُۥ سُجَّدٗا
ساجدين تكريماً ليوسفَ، على عادتِهم في تحيةِ الملُوك وأشباهِهم.
هَٰذَا تَأۡوِيلُ رُءۡيَٰيَ مِن قَبۡلُ
أي: هذا السجودُ تفسيرٌ وتصديقٌ للرؤيا التي رأيتُها في صِغَري.
حَقّٗا
صِدْقاً، وليسَتْ من أكاذيبِ الأحلامِ.
أَحۡسَنَ بِيٓ
أفاض اللهُ عليَّ من نِعَمِه.
ٱلۡبَدۡوِ
باديةِ الشَّامِ.
نَزَغَ ٱلشَّيۡطَٰنُ
أفسَدَ وأغوى؛ لأنه هو سببُ الإفسادِ.
لَطِيفٞ
عليمٌ بخَفايا الأمورِ، مُدَبِّرٌ لها، ومُسَهِّلٌ لصعابِها.
الميسر في غريب القرآن — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ أي: على سرير الملك، ومجلس العزيز، وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا أي: أبوه، وأمه وإخوته، سجودا على وجه التعظيم والتبجيل والإكرام، وَقَالَ لما رأى هذه الحال، ورأى سجودهم له: يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ حين رأي أحد عشر كوكبا والشمس والقمر له ساجدين، فهذا وقوعها الذي آلت إليه ووصلت قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا فلم يجعلها أضغاث أحلام. وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إحسانا جسيما ﴿إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ وهذا من لطفه وحسن خطابه عليه السلام، حيث ذكر حاله في السجن، ولم يذكر حاله في الجب، لتمام عفوه عن إخوته، وأنه لا يذكر ذلك الذنب، وأن إتيانكم من البادية من إحسان الله إلي.فلم يقل: جاء بكم من الجوع والنصب، ولا قال: "أحسن بكم" بل قال ﴿أَحْسَنَ بِي﴾ جعل الإحسان عائدا إليه، فتبارك من يختص برحمته من يشاء من عباده، ويهب لهم من لدنه رحمة إنه هو الوهاب. ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ فلم يقل "نزغ الشيطان إخوتي" بل كأن الذنب والجهل، صدر من الطرفين، فالحمد لله الذي أخزى الشيطان ودحره، وجمعنا بعد تلك الفرقة الشاقة. إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ يوصل بره وإحسانه إلى العبد من حيث لا يشعر، ويوصله إلى المنازل الرفيعة من أمور يكرهها، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الذي يعلم ظواهر الأمور وبواطنها، وسرائر العباد وضمائرهم، الْحَكِيمُ في وضعه الأشياء مواضعها، وسوقه الأمور إلى أوقاتها المقدرة لها.
هذه الآية رقم 100 في سورة يوسف التي عدد آياتها 111، وهي سورة مكية ترتيبها 12 في المصحف، وتبدأ في الصفحة 235 من مصحف المدينة النبوية.