التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
إنما مثل الحياة الدنيا، وما تتفاخرون به فيها من زينة وأموال، كمثل مطر أنزلناه من السماء إلى الأرض، فنبتت به أنواع من النبات، مختلط بعضها ببعض مما يقتات به الناس من الثمار، وما تأكله الحيوانات من النبات، حتى إذا ظهر حُسْنُ هذه الأرض وبهاؤها، وظن أهل هذه الأرض أنهم قادرون على حصادها والانتفاع بها، جاءها أمرنا وقضاؤنا بهلاك ما عليها من النبات والزينة، إما ليلاً وإما نهاراً، فجعلنا هذه النباتاتِ والأشجارَ محصودة مقطوعة لا شيء فيها، كأن لم تكن تلك الزروع والنباتات قائمة قبل ذلك على وجه الأرض، فكذلك يأتي الفناء على ما تتباهَون به من دنياكم وزخارفها فيفنيها الله ويهلكها. وكما بيَّنا لكم -أيها الناس- مَثَلَ هذه الدنيا وعرَّفناكم بحقيقتها، نبيِّن حججنا وأدلتنا لقوم يتفكرون في آيات الله، ويتدبرون ما ينفعهم في الدنيا والآخرة.
معاني كلمات الآية
مَثَلُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا
حالُها في سُرْعَةِ انقضائِها وذَهابِ لَذَّاتِها.
فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ
فَنَبتَ بماءِ المطر أنواعٌ من النباتِ، تشابَكَتْ واختلَطَ بعضُها ببعض.
أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا
ظَهَرَ حُسْنُها واستكمَلَت بهاءَها.
وَٱزَّيَّنَتۡ
وتَزَيَّنَتْ بأصنافِ النباتِ وأشكالِه وألوانِه.
وَظَنَّ
أيقنَ.
قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ
مُتَمَكِّنون مِن جَنْي ثمارِها والانتفاعِ بها.
أَمۡرُنَا
قضاؤُنا بهَلاكِ ما عليها من النباتِ والزينةِ.
فَجَعَلۡنَٰهَا حَصِيدٗا
فجَعَلْنا زَرْعَها كالنَّباتِ المقطوعِ.
كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ
كأن لم تَكُنِ الزروعُ قائمةً على ظَهْرِ الأرض.
بِٱلۡأَمۡسِ
في الماضي القريب.
نُفَصِّلُ
نُبَيِّنُ.
ٱلۡأٓيَٰتِ
الحُجَجَ والأدلَّةَ الواضحةَ.
الميسر في غريب القرآن — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
وهذا المثل من أحسن الأمثلة، وهو مطابق لحالة الدنيا، فإن لذاتها وشهواتها وجاهها ونحو ذلك يزهو لصاحبه إن زها وقتًا قصيرًا، فإذا استكمل وتم اضمحل، وزال عن صاحبه، أو زال صاحبه عنه، فأصبح صفر اليدين منها، ممتلئ القلب من همها وحزنها وحسرتها.فذلك كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ أي: نبت فيها من كل صنف، وزوج بهيج مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ كالحبوب والثمار و مما تأكل الْأَنْعَامِ كأنواع العشب، والكلأ المختلف الأصناف.حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ أي: تزخرفت في منظرها، واكتست في زينتها، فصارت بهجة للناظرين، ونزهة للمتفرجين، وآية للمتبصرين، فصرت ترى لها منظرًا عجيبًا ما بين أخضر، وأصفر، وأبيض وغيره.وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أي: حصل معهم طمع، بأن ذلك سيستمر ويدوم، لوقوف إرادتهم عنده، وانتهاء مطالبهم فيه.فبينما هم في تلك الحالة أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ أي: كأنها ما كانت فهذه حالة الدنيا، سواء بسواء.كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ أي: نبينها ونوضحها، بتقريب المعاني إلى الأذهان، وضرب الأمثال لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ أي: يعملون أفكارهم فيما ينفعهم.وأما الغافل المعرض، فهذا لا تنفعه الآيات، ولا يزيل عنه الشك البيان.
هذه الآية رقم 24 في سورة يونس التي عدد آياتها 109، وهي سورة مكية ترتيبها 10 في المصحف، وتبدأ في الصفحة 208 من مصحف المدينة النبوية.